كيف یحقق الكورد وحدة النهوض؟ تحليل نفسيإجتماعي- د. عبدالباقي مایی

 

إنّ نهوض أي شعب لا يرتبط فقط بالعوامل السياسية أو الاقتصادية، بل يعتمد بدرجة كبيرة على البنية النفسية-الإجتماعية للفرد فی المجتمع. طريقة تفكير الأفراد هی التی تلهب المشاعر وتنتج الأفعال و المواقف التی تجتمع فی شخصیة متكاملة للفرد عندما یعبر مرحلة المراهقة و یصبح بذلك عنصرا فعالا” فی المجتمع. و عملية تكوین شخصية الفرد تبدأ عندما تتكون الخلايا الأولی لدماغه فی الأسبوع الثاني من حیاته فی بطن أمه. و منذ تلك اللحظة یبدأ دماغ الفرد بجمع المعلومات الواردة إلیه من أمه أولا، و من ثم من محيطه بعد ولادته، إلی أن تكتمل شخصيته بعد عبور مرحلة المراهقة.

تتكون شخصية الفرد فی المجتمع الجماعی، كما هو الحال فی المجتمع الكوردستانی، لكی یكون الفرد فی خدمة المجتمع بعكس ما یحدث فی المجتمع الفردانی المتطور والذي یتمیز بحریة الفرد وإستقلالیته. العائلة هی أهم و أصغر وحدة فی المجتمع الجماعی، حیث تفرض الظروف الطبیعیة أهمية العائلة كوحدة متكاملة لتوفير الحماية والعيش عندما یضحی الفرد بحریته وإستقلاله من أجل بقاء العائلة والمجتمع. بينما یعیش ویتربی الطفل فی المجتمع المتطور الفردانی علی تكوین ذاته للإعتماد علی نفسه فی تدبير أموره مستقلا عن العائلة. بذلك تتأسس فی المجتمع الفردانی مؤسسات و قوانين لتكوین شخصية مستقلة للفرد إبتداء” من فترة الحمل حتی عبور فترة المراهقة، فتتكون المؤسسات والقوانين فی المجتمع لحماية الفرد و توفير الخدمات الضرورية للطفل و المرأة لتكوین شخصية سلیمة للفرد لكی یستطیع الإعتماد علی نفسه و يشعر بمسۆلیته تجاه المجتمع دون أن یكون ضحية له.

مرّ الشعب الكوردي بتجارب قاسية من صراعات ونزاعات وتغيرات سياسية متكررة. هذه التجارب تُكوّن ما يُعرف بالذاكرة الجماعية، التي قد تحمل مشاعر الألم وعدم الثقة والخوف من المستقبل. عندما تبقى هذه المشاعر دون معالجة، فإنها قد تولّد سلوكيات دفاعية مثل الانغلاق، أو التشكيك المتبادل، أو الحساسية المفرطة تجاه الإختلافات الداخلية. أما تحويل هذه الذاكرة إلى مصدر قوة فيتطلب إعادة تفسير الماضي باعتباره تجربة للتعلّم والصمود، لا فقط مصدراً للألم. يحتاج المجتمع الكوردي إلى خطاب ثقافي وتربوي يعزز الثقة بالذات لدی الفرد دون الوقوع في المبالغة أو الإنكار، بل عبر واقعية واعية تعترف بالتحديات وتؤكد علی إحترام القوانين و مكافحة مرض الفساد.

إن الوحدة الطبیعیة للشعب والوطن فی كوردستان متوفرة لاداعي للنضال من أجل توفيرها، و لكن علينا العمل علی توحيد القوی أیضا. و هذا عمل لا یمكن توفیره دون سياسة صائبة. فالانقسامات السياسية تترك آثاراً نفسية عميقة، إذ تعزز الشعور بالتهديد الداخلي وتضعف الإحساس بالإنتماء المشترك. في مثل هذه الحالات يميل الأفراد إلى الانحياز لهويات فرعية ضيقة بدلاً من الهوية الجامعة. النهوض يتطلب إعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة، وتعزيز ثقافة الحوار، وتقبل التعددية كعامل قوة لا كسبب للصراع. الوحدة النفسية للمجتمع تسبق الوحدة السياسية.

تُعد الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية أدوات أساسية في تشكيل الوعي الاجتماعي لدی الفرد منذ تكوینه فی بطن أمه وحتى بلوغه سن الرشد. فإذا ركزت التربية على حقوق الفرد و مبادئ الدیمقراطیة والمقاومة السلمية ضد الإحتلال، بعيدا” عن الخائات الثلاث (الخوف والخجل و الخطیئة)، فإنها تخلق جيلاً قادراً على البناء. أما إذا سادت ثقافة الإتكالية أو الإعتماد على الزعامات الفردية، فإنها تعيق المبادرة. لذلك فإن بناء عقل جمعي إيجابي يتطلب تربية تشجع التفكير النقدي، والعمل المشترك، وروح المبادرة.

يمثل الشباب القوة النفسية الأكثر تأثيراً في المجتمع. لكن عندما يواجه الشباب البطالة أو غياب الفرص أو قید الحريات، قد يتولد لديهم شعور بالإحباط وفقدان المعنى. في المقابل، عندما تُفتح أمامهم آفاق المشاركة و العمل، يتحولون إلى قوة تغيير إيجابية. دعم طموحات الشباب وإشراكهم في صنع المستقبل يعزز الطاقة النفسية الجماعية للنهوض.

كما تلعب اللغة والفنون والأدب دوراً مهماً في ترميم الهوية النفسية للفرد فی المجتمع. فالثقافة المشتركة تمنح الأفراد شعوراً بالإنتماء والإستمرارية. كما أن الصدام الثقافي یۆدی إلی أزمة نفسية لا تعني دائما” إنهيار الشخصية بل قد یوفر الجانب الإیجابی فيها فرص جديدة  أمام الفرد للتحول والتغییر والتجديد. أما الإبداع الثقافي فيساعد عادة على التعبير عن التجارب الجماعية وتحويلها إلى قوة معنوية تدعم التماسك الاجتماعي. و قد یۆدی نجاح نموذج روژئاڤا علی المقاومة السلمية  إلی صموده وبقائه و توسيعه لیكون مثالا لتوحيد القوی فی كوردستان رغم محاولات إبادته المستمرة من قبل الأعداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *