كیف ینتهی صراع الإمارات الكوردية؟! تحليل نفسيإجتماعي – د. عبدالباقي مایی

 

 

ظهرت فی الآونة الأخيرة تحليلات سیاسیة علی شبكات التواصل الإجتماعي تصف الصراع الحالي بین الأحزاب الكوردیة كإمتداد لسياسة الشك وعدم الإستقرار التی تكونت فی زمن الصراع بین الإمارات الكوردیة قرابة تسعة قرون، من ظهور الإمارة المروانية في القرن العاشر الميلادي وحتى سقوط آخر الإمارات الكبرى فی منتصف القرن التاسع عشر. ولكن القراءة التقليدية لتأريخ هذه الإمارات ظلّت حبيسة السرد الحدثي . أمّا السؤال الأعمق الذي يغيب عن هذا السرد فهو: كيف تحوّل الصراع عبر الزمن من الوعي الجمعي الكوردي الذی كان يسود فی عصر الإمارات نحو تشكيل الوعي الفردی الكوردی المعاصر الذی بدء بتكوين “نموذج روژئاڤا”؟

في أطوارها الأولى، لم تكن الإمارات الكوردية كياناً واحداً ولا جبهةً موحّدة. كانت كلّ إمارة تشكّل دائرة ولاء مغلقة تقوم على ما سمّاه ابن خلدون ( ١٣٣٢ – ١٤٠٦) “العصبية”: تلك الرابطة الدموية التي تُنتج التماسك الداخلي والعداء للخارج في آنٍ واحد. كان الصراع في هذه المرحلة صراعاً أفقياً: إمارة ضدّ إمارة، وأسرة ضدّ أسرة، و عشيرة ضدّ عشیرة، عززتها طبيعة كوردستان الوعرة و المعيشة البدوية الصعبة. وقد كرّست هذه الديناميكية نمطاً نفسياً عميقاً: الولاء للقريب قبل البعيد، وللعشيرة قبل الأمّة. ومن هنا بدت الجغرافيا الكوردستانية الوعرة انعكاساً لطوبوغرافيا نفسية موازية: هويّات متجاورة لا متداخلة، تحمي نفسها بقدر ما تعزل نفسها. هذا التشظّي لم يكن ضعفاً فحسب؛ فقد منح المجتمع الكوردي قدرةً على المقاومة المحلّية والتكيّف مع  الطبيعة و الغزاة المتعاقبين. لكنه زرع في البنية العميقة للوعي الجمعي إستعداداً مزمناً لإعادة إنتاج الانقسام.

مع بزوغ القرن السادس عشر، دخلت الإمارات الكوردية مرحلةً جديدة كلياً. فمعركة جالدیران (١٥١٤ )  بين العثمانيين والصفويين لم تكن مجرد حدث عسكري، بل نقطة تحوّل بنيوية: وجد الكورد أنفسهم فجأةً جغرافيةً متنازعاً عليها بين قوّتين عظيمتين. هنا بدأ الصراع بالانزياح من الأفقي إلى المائل: لم تعد الإمارات تتقاتل فيما بينها بقدر ما باتت تناور بين السلطان العثماني والشاه الصفوي. معاهدة أماسية (١٥٥٥)، ثم قصر شيرين (١٦٣٩)، رسّمتا حدوداً مرّت عبر القلب الكوردى، فقسمت العشيرة الواحدة بين ولاءين متنافسين.

نفسياً، أنتج هذا الوضع ظاهرةً بالغة التعقيد: الولاء المزدوج والبرغماتية المفرطة. تعلّم الأمير الكوردى أن يبدّل حلفاءه كما یرید، وأن يعيش في منطقة رماديّة دائمة. ومع مرور الزمن، ترسّخت في الوعي الجمعي فكرةٌ مفادها أنّ القوى الكبرى “تستخدم” الكورد ثم “تتخلّى” عنهم، وهي فكرة تتكرّر في الذاكرة السياسية الكوردية إلی يومنا هذا عندما نری الأحزاب السیاسیة المعاصرة تابعة لقوى عظمى أقلیمیة أو عالمية. في الوقت ذاته، أتاحت هذه المرحلة للإمارات أن تزدهر ثقافياً. فكتاب “شرفنامه” (١٥٩٧ ) للأمير شرفخان البدليسي ( ١٥٤٣ – ١٠٠٥ )  يمثّل لحظة وعي ذاتي نادرة: محاولة مبكّرة لكتابة تاريخ الكورد باعتبارهم جماعةً واحدةً رغم تشتّتهم. كان ذلك البذرة الأولى لوعيٍ فردی لم يكتمل.

مع بداية إصلاحات النظام العثماني (1839) و إنطلاق مشروع الدولة المركزية الحديثة، دخلت الإمارات الكوردية طورها الأخير. لم يعد الصراع أفقياً ولا مائلاً، بل تحوّل إلى عمودي صرف: إمارة ضدّ إمبراطورية تسعى لإبتلاعها. سقطت بابان في خمسينيات القرن التاسع عشر، ودُحر الأمير بدرخان البوتاني عام 1847، و تفكّكت إمارة سوران، و فقدت أردلان استقلالها تدريجياً. في غضون عقدين فقط، اختفت البنية التي حكمت الكورد قرابة تسعة قرون. هذه اللحظة تمثّل ما يمكن تسميته “الصدمة الجمعية” بالمعنى النفسيإجتماعي: انهيار بنى السلطة التقليدية من دون أن تحلّ محلّها بنى جديدة.

هنا حدث الإنقلاب النفسيإجتماعي الأهمّ من العشيرة إلی الأمة. وهكذا بدأت تتشكّل، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بذور الفكرة القومية الكوردية. لكنّ الصدمة لم تُشفَ لأن الزمن لا یشفی كل الجروح. ذاكرة الإنقسام، المتوارثة من عصر الإمارات، ظلّت حاضرةً في البنية النفسية الجمعية. وهذا ما يفسّر لماذا ظلّت الحركات القومية الكوردية لاحقاً تصطدم مرّةً بعد أخرى بمشكلة التعدّد الداخلي: كلّ قيادةٍ تستعيد — من دون أن تدري — أنماط الأمير القديم، وكلّ تحالفٍ يحمل في طيّاته احتمال الانقسام الذي ورثه من العصبيات الأولى. إنّ الإمارات سقطت، لكنّ ظلّها النفسي لا يزال يصوغ الأسئلة التي يطرحها الكورد على أنفسهم حتى اليوم. أما “نموذج روژئاڤا” فهی طفرة تأریخیة فی الوعي الجمعي الكوردستاني، وليس الكوردى فحسب، فأثبت أصلحیته لإنقاذ المجتمع من تعقیداته المذكورة أعلاه، ليلتحق بالركب الحضاري المعاصر فی خدمة الفرد و المجتمع فی روژهه‌لات كوردستان كما حدث فی روژئاڤا، و كذلك لیس فقط فی كوردستان بل فی الشرق الأوسط الجديد جميعا”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *