“عملية السلام” الكردية في تركيا تراوح مكانها.. بين اتهامات بالتجميد وتطمينات حكومية- كارايلان ضد “ديم بارتي”

أنقرة/أربيل – تراجعت “عملية السلام” مع الأكراد في تركيا إلى مربع الجمود، بعد أكثر من عام ونصف من انطلاقها عبر مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب”، وسط شكوك يروّجها الجناح المسلح لحزب “العمال الكردستاني” (بيكاك) وحديث عن “انسداد” من جانب الجناح السياسي، فيما تواصل الحكومة التركية تطميناتها بأن العملية تجري في طريقها الصحيح دون عوائق.
جاءت هذه التطورات في ظل تناقض واضح في المواقف بين أجنحة الحركة الكردية من جهة، والسلطة التركية من جهة أخرى، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل المسار التفاوضي الذي كان يُنظر إليه كبوابة لحل واحد من أعقد الملفات في تاريخ تركيا الحديث.

“تجميد المبادرة”.. اتهامات من قنديل

واتهمت قيادات “العمال الكردستاني” في جبل قنديل بشمال العراق الحكومة التركية بـ**”تجميد” مبادرة “السلام والمجتمع الديمقراطي”**، التي أطلقها زعيم الحزب السجين، عبد الله أوجلان، في 27 فبراير/شباط 2026، والتي تتضمن حلاً للحزب، وإلقاء أسلحته، والتوجه إلى العمل في إطار ديمقراطي قانوني.
وقال مراد كارايلان، القائد العام لقوات الدفاع الشعبي (الجناح العسكري للحزب) وعضو اللجنة التنفيذية في منظومة المجتمع الكردستاني، في تصريحات لإحدى الوكالات القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية:
«مسؤولون في الحكومة التركية كانوا قد حددوا شهر أبريل/نيسان الماضي موعداً لطرح تشريع يدفع العملية قدماً إلى البرلمان، إلا أن هذا الموعد انقضى دون تقديم أي مشروع قانون».
وأضاف كارايلان أن الحكومة لم تنفذ، حتى الآن، الإجراءات الأساسية التي أوصت بها “لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” التي شكلها البرلمان لوضع الإطار القانوني لحل الحزب ونزع أسلحته، بما في ذلك الإفراج عن سياسيين ونشطاء معارضين من السجون.
البند
ما يطالب به الجناح المسلح
الوضع الراهن
تشريع برلماني
طرح مشروع قانون بحلول أبريل 2026
❌ لم يُقدَّم أي مشروع حتى الآن
الإفراج عن المعتقلين
تنفيذ توصيات اللجنة البرلمانية
⚠️ تقدم محدود أو معدوم
لقاء وفد إيمرالي بأوجلان
استئناف الزيارات للسجين
❌ انقطاع منذ نحو شهر
نزع السلاح
إطار قانوني واضح وآمن
⏳ معلق على تقدم سياسي

“مؤشر خطير”.. انقطاع زيارة أوجلان

وعدَّ كارايلان عدم لقاء وفد حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” (المعروف بـ”وفد إيمرالي”) لعبد الله أوجلان في محبسه منذ نحو شهر، بأنه “مؤشر خطير على مستقبل العملية”، في إشارة إلى أن انقطاع قنوات التواصل مع الزعيم التاريخي للحركة الكردية قد يعكس تراجعا في الإرادة السياسية للمسار.
وقال في هذا السياق: «الحزب اتخذ خطوات كبيرة ضمن جهود السلام، من بينها إعلان وقف إطلاق النار، وإنهاء كفاحه المسلح، وإحراق الأسلحة، والانسحاب من تركيا، ولكن ما نلاحظه وما أُبلغنا به أن الحكومة جمَّدت العملية».

تناقض المواقف: كارايلان ضد “ديم بارتي”

وأثارت تصريحات كارايلان ردود فعل من جانب حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” (DEM)، المؤيد للأكراد، والذي يقود الاتصالات السياسية الخاصة بعملية السلام بين الدولة وسجن إيمرالي؛ حيث يقبع أوجلان منذ نحو 27 سنة.
ورأى مسؤولون في الحزب أن تصريحات الجناح المسلح تتعارض مع “روح العملية”، وأن الوضع الراهن لا يُمكن وصفه بـ”الجمود”، في موقف يعكس انقساماً داخلياً حول تقييم مسار المفاوضات.
الطرف
الموقف من العملية
التقييم الراهن
الجناح المسلح (قنديل)
متشكك، يتحدث عن “تجميد”
العملية متوقفة بسبب تقصير الحكومة
الجناح السياسي (ديم بارتي)
متفائل حذر، يرفض وصف “الجمود”
العملية مستمرة لكن بوتيرة متفاوتة
الحكومة التركية
مطمئنة، تؤكد “لا عوائق”
المسار يسير وفق الخطة المرسومة

أردوغان وبهشلي: بحث سير “تركيا خالية من الإرهاب”

وجاءت هذه التطورات بعد أيام قليلة من لقاء الرئيس رجب طيب أردوغان وحليفه رئيس حزب “الحركة القومية”، دولت بهشلي، الذي أطلق مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب” من داخل البرلمان في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، باسم “تحالف الشعب”، المؤلَّف من حزبه وحزب “العدالة والتنمية” الحاكم.
وبحث أردوغان وبهشلي، خلال لقائهما الخميس، سير “عملية تركيا خالية من الإرهاب” من بين كثير من القضايا الداخلية والخارجية، في إشارة إلى أن القيادة التركية لا تزال ملتزمة بالمسار رغم الانتقادات الكردية.

قراءة في التداعيات

ويرى محللون أن الجمود الراهن في عملية السلام يحمل عدة دلالات استراتيجية:
البعد
الوصف
التأثير المحتمل
السياسي الداخلي
انقسام كردي حول تقييم المسار
ضعف في الجبهة التفاوضية الكردية الموحدة
الأمني
اتهامات بتجميد نزع السلاح
مخاوف من عودة التصعيد الميداني
القانوني
تأخر التشريع البرلماني
فقدان الزخم الإصلاحي وفرصة الإصلاح الهيكلي
الرمزي
انقطاع زيارة أوجلان
تآكل الثقة في جدية القنوات التفاوضية

سيناريوهات مقبلة لمسار السلام

ويتوقع خبراء عدة مسارات للأيام والأسابيع القادمة:
السيناريو
الاحتمال
التداعيات المتوقعة
تسريع التشريع البرلماني
متوسط
استعادة زخم العملية مع طمأنة الجناح المسلح
استمرار الجمود مع تبادل الاتهامات
مرتفع
تآكل تدريجي للثقة مع مخاطر انتكاسة المسار
وساطة خارجية لإعادة تفعيل الحوار
منخفض-متوسط
تدخل أوروبي أو إقليمي لكسر حلقة الشكوك
تصعيد ميداني محدود
منخفض-متوسط
عودة عمليات أمنية قد تعقد أي مسار تفاوضي

خلفية: مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب”

يُذكر أن مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب” التي أطلقها أردوغان وبهشلي في أكتوبر 2024، تهدف إلى:
  • إنهاء الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني بشكل نهائي
  • حل الحزب طوعاً والانتقال إلى العمل السياسي الديمقراطي
  • إطار قانوني برلماني ينظم عملية نزع السلاح وإعادة الدمج
  • عفو محدود عن عناصر تتخلى عن السلاح وتلتزم بالمسار السلمي
غير أن التطبيق الفعلي للمبادرة يواجه تحديات عملية تتطلب إرادة سياسية متبادلة وثقة هشة بين طرفين عاشا عقوداً من الصراع.
مهما كانت التطورات القادمة، فإن جمود “عملية السلام” الكردية في تركيا يذكر بأن حل الملفات التاريخية لا يتحقق بالخطابات فقط، بل بخطوات ملموسة تبني الثقة وتترجم النوايا إلى واقع.
وفي ظل هذه المعطيات السياسية الحساسة، يظل السؤال الأهم: هل ستنجح الحكومة التركية في تجاوز عقبة التشريع البرلماني واستعادة زخم المبادرة، أم أن استمرار الشكوك والانقسامات سيقود نحو انتكاسة قد تعيد المنطقة إلى مربع التوتر؟ الإجابة قد تحدد ليس فقط مصير العملية الراهنة، بل أيضاً مستقبل العلاقة بين الدولة التركية والمكون الكردي لعقود قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *