الاعتراف بالهوية… من الوجود الثقافي إلى الحق السياسي – محمد ديب أحمد

قراءة في فلسفة الهوية
ليس من الضروري أن تعترف الدولة بهوية شعبٍ ما كي يصبح هذا الشعب موجوداً . فالوجود القومي لا يبدأ بقرار سياسي، ولا يتوقف على اعتراف سلطة أو دستور .
إنه يتشكل عبر اللغة والأرض والتاريخ والذاكرة المشتركة والثقافة والشعور بالانتماء ؛
وهي عناصر تتراكم عبر أجيال، وتمنح الجماعة ملامحها وخصوصيتها .
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو : هل يكفي هذا الوجود كي يتمتع الشعب بحقوقه، أم أن غياب الاعتراف السياسي والقانوني قد يحوّل وجوده إلى حقيقة اجتماعية لا تجد مكاناً عادلاً لها داخل الدولة ؟
هنا تبرز أهمية مفهوم الاعتراف بالهوية، الذي تناوله الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في دراساته حول التعددية الثقافية وسياسة الاعتراف . فالفكرة لديه تتجاوز مجرد التسامح مع الاختلاف ؛
إذ يرتبط الاعتراف بالهوية بكرامة الإنسان والجماعات، وبكيفية رؤية المجتمع والدولة لهويات مكوناتهما .
ومن هذا المنطلق، فإن إنكار هوية جماعة ما، أو التعامل معها بوصفها أمراً هامشياً، ليس موقفاً إدارياً محايداً ، بل قد يترك آثاراً عميقة في شعور أفرادها بمكانتهم وانتمائهم .
ومن هنا ينبغي التمييز بين وجود الهوية والاعتراف بها .
 فالهوية لا تستمد حقيقتها من اعتراف الآخرين، لكنها تحتاج إلى فضاء سياسي وقانوني يحميها من الإنكار والتهميش . فالاعتراف ليس منّة تمنحها الدولة لإحدى جماعاتها، بل هو جزء من العلاقة التي يفترض أن تقوم بين الدولة ومواطنيها على أساس المساواة والاحترام المتبادل .
والأهم ألا يقتصر الاعتراف على الإقرار اللفظي بالتنوع أو الاحتفاء به في المناسبات .
 فقد تعلن الدولة احترامها لجميع الثقافات، لكنها لا تتيح لأبنائها ممارسة لغاتهم، أو المشاركة المتكافئة في مؤسساتها، أو التعبير عن خصوصياتهم الثقافية ضمن إطار القانون .
عندئذٍ يصبح الاعتراف موقفاً رمزياً لا ينعكس على واقع الحقوق والممارسة .
فالاعتراف الثقافي، على أهميته، لا يغني عن الاعتراف السياسي، وهذا الأخير لا يكتمل من دون ضمانات قانونية ودستورية . والفرق كبير بين أن تقول الدولة إن الكرد جزء من نسيجها الاجتماعي، وبين أن تعترف بلغتهم وحقوقهم الثقافية والقومية في الدستور، وأن تضمن مشاركتهم السياسية على قدم المساواة مع بقية المواطنين .
الأول إقرار بحقيقة اجتماعية ،
 أما الثاني فيترجم هذه الحقيقة إلى حقوق ومؤسسات وضمانات .
وتتضح أهمية هذه المسألة عند النظر إلى الحالة السورية .
 فسوريا ليست هوية واحدة متجانسة، بل مجتمع تشكّل عبر تاريخ طويل من التنوع الإثني والقومي والثقافي واللغوي .
والكرد والعرب والسريان والآشوريون والتركمان وغيرهم ليسوا مجرد جماعات تعيش على أرض واحدة، بل مكونات أسهمت في تكوين المجتمع السوري وتاريخه .
ومن ثم، فإن التعامل مع هذا التنوع باعتباره واقعاً ينبغي تنظيمه سياسياً ودستورياً، لا مشكلة ينبغي تجاوزها أو تذويبها، يفتح الباب أمام تصور أكثر شمولاً للمواطنة .
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الاعتراف بالهوية الكردية بوصفه نقيضاً لوحدة سوريا، كما لا ينبغي اختزال المطالبة بالحقوق القومية والثقافية في مشروع انفصال أو تهديد لوحدة الدولة .
فالمسألة تتعلق بطبيعة هذه الوحدة نفسها :
 هل تقوم على فرض هوية واحدة على الجميع، أم على عقد وطني يعترف بتعدد الهويات ويضمن المساواة بينها ؟
ومن زاويتي، أرى أن وحدة الدولة لا تُقاس بمدى تشابه مواطنيها، ولا بقدرتها على محو الفوارق بينهم، بل بقدرتها على بناء إطار مشترك يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في الوطن، لا ضيوف على هوية غيرهم . فالمواطنة المتساوية لا تعني أن يتخلى الإنسان عن لغته وذاكرته وانتمائه الثقافي، وإنما أن يتمتع بحقوقه كاملة من دون أن تكون هويته سبباً للتمييز أو الإقصاء .
وهنا نصل إلى جوهر المسألة :
 الاعتراف الحقيقي لا يتوقف عند تسمية الهويات أو الإقرار بوجودها، بل يظهر في القوانين والمؤسسات والممارسات اليومية .
هل يستطيع أبناء المكونات المختلفة التعبير عن ثقافاتهم ؟
 وهل تحظى لغاتهم بالحماية والمكانة المناسبة ؟
 وهل يشاركون في صناعة القرار ؟ وهل توجد ضمانات دستورية تحول دون أن تتغير حقوقهم بتغير الحكومات أو موازين القوى ؟
هذه الأسئلة تنقل النقاش من مستوى النوايا والإعلانات إلى مستوى الحقوق والمسؤوليات، وتضع الدولة أمام استحقاق واضح :
 أن تكون دولة لجميع مواطنيها، لا أن تطلب منهم التشابه كي تعترف بمكانتهم فيها .
إن الاعتراف بالهوية لا يجزّئ الوطن، بل يمكن أن يكون أحد شروط تعزيز تماسكه . والمشكلة لا تكمن في تعدد الهويات، وإنما في غياب صيغة عادلة لتنظيم العلاقة بينها داخل الدولة .
 وحين يشعر كل مكوّن بأن وجوده مصون وحقوقه مضمونة، يصبح الانتماء الوطني أكثر ارتباطاً بالشراكة والثقة، وأقل خضوعاً للخوف والقلق .
فهل نريد دولة تعترف بالتنوع بوصفه حقيقة لا يمكن إنكارها فحسب، أم دولة تحوّل هذا الاعتراف إلى حقوق دستورية ومشاركة سياسية متساوية ؟
ربما يبدأ بناء الوطن من هنا : ليس من مطالبة أبنائه بالتخلي عن اختلافاتهم، بل من بناء دولة لا تجعل اختلافهم عائقاً أمام مواطنتهم .
ودمتم في وطنٍ يحمل قَدْرَ المواطن قبل كل شيء .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي
الاعتراف بالهوية… من الوجود الثقافي إلى الحق السياسي
قراءة في فلسفة الهوية
ليس من الضروري أن تعترف الدولة بهوية شعبٍ ما كي يصبح هذا الشعب موجوداً . فالوجود القومي لا يبدأ بقرار سياسي، ولا يتوقف على اعتراف سلطة أو دستور .
إنه يتشكل عبر اللغة والأرض والتاريخ والذاكرة المشتركة والثقافة والشعور بالانتماء ؛
وهي عناصر تتراكم عبر أجيال، وتمنح الجماعة ملامحها وخصوصيتها .
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو : هل يكفي هذا الوجود كي يتمتع الشعب بحقوقه، أم أن غياب الاعتراف السياسي والقانوني قد يحوّل وجوده إلى حقيقة اجتماعية لا تجد مكاناً عادلاً لها داخل الدولة ؟
هنا تبرز أهمية مفهوم الاعتراف بالهوية، الذي تناوله الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في دراساته حول التعددية الثقافية وسياسة الاعتراف . فالفكرة لديه تتجاوز مجرد التسامح مع الاختلاف ؛
إذ يرتبط الاعتراف بالهوية بكرامة الإنسان والجماعات، وبكيفية رؤية المجتمع والدولة لهويات مكوناتهما .
ومن هذا المنطلق، فإن إنكار هوية جماعة ما، أو التعامل معها بوصفها أمراً هامشياً، ليس موقفاً إدارياً محايداً ، بل قد يترك آثاراً عميقة في شعور أفرادها بمكانتهم وانتمائهم .
ومن هنا ينبغي التمييز بين وجود الهوية والاعتراف بها .
 فالهوية لا تستمد حقيقتها من اعتراف الآخرين، لكنها تحتاج إلى فضاء سياسي وقانوني يحميها من الإنكار والتهميش . فالاعتراف ليس منّة تمنحها الدولة لإحدى جماعاتها، بل هو جزء من العلاقة التي يفترض أن تقوم بين الدولة ومواطنيها على أساس المساواة والاحترام المتبادل .
والأهم ألا يقتصر الاعتراف على الإقرار اللفظي بالتنوع أو الاحتفاء به في المناسبات .
 فقد تعلن الدولة احترامها لجميع الثقافات، لكنها لا تتيح لأبنائها ممارسة لغاتهم، أو المشاركة المتكافئة في مؤسساتها، أو التعبير عن خصوصياتهم الثقافية ضمن إطار القانون .
عندئذٍ يصبح الاعتراف موقفاً رمزياً لا ينعكس على واقع الحقوق والممارسة .
فالاعتراف الثقافي، على أهميته، لا يغني عن الاعتراف السياسي، وهذا الأخير لا يكتمل من دون ضمانات قانونية ودستورية . والفرق كبير بين أن تقول الدولة إن الكرد جزء من نسيجها الاجتماعي، وبين أن تعترف بلغتهم وحقوقهم الثقافية والقومية في الدستور، وأن تضمن مشاركتهم السياسية على قدم المساواة مع بقية المواطنين .
الأول إقرار بحقيقة اجتماعية ،
 أما الثاني فيترجم هذه الحقيقة إلى حقوق ومؤسسات وضمانات .
وتتضح أهمية هذه المسألة عند النظر إلى الحالة السورية .
 فسوريا ليست هوية واحدة متجانسة، بل مجتمع تشكّل عبر تاريخ طويل من التنوع الإثني والقومي والثقافي واللغوي .
والكرد والعرب والسريان والآشوريون والتركمان وغيرهم ليسوا مجرد جماعات تعيش على أرض واحدة، بل مكونات أسهمت في تكوين المجتمع السوري وتاريخه .
ومن ثم، فإن التعامل مع هذا التنوع باعتباره واقعاً ينبغي تنظيمه سياسياً ودستورياً، لا مشكلة ينبغي تجاوزها أو تذويبها، يفتح الباب أمام تصور أكثر شمولاً للمواطنة .
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الاعتراف بالهوية الكردية بوصفه نقيضاً لوحدة سوريا، كما لا ينبغي اختزال المطالبة بالحقوق القومية والثقافية في مشروع انفصال أو تهديد لوحدة الدولة .
فالمسألة تتعلق بطبيعة هذه الوحدة نفسها :
 هل تقوم على فرض هوية واحدة على الجميع، أم على عقد وطني يعترف بتعدد الهويات ويضمن المساواة بينها ؟
ومن زاويتي، أرى أن وحدة الدولة لا تُقاس بمدى تشابه مواطنيها، ولا بقدرتها على محو الفوارق بينهم، بل بقدرتها على بناء إطار مشترك يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في الوطن، لا ضيوف على هوية غيرهم . فالمواطنة المتساوية لا تعني أن يتخلى الإنسان عن لغته وذاكرته وانتمائه الثقافي، وإنما أن يتمتع بحقوقه كاملة من دون أن تكون هويته سبباً للتمييز أو الإقصاء .
وهنا نصل إلى جوهر المسألة :
 الاعتراف الحقيقي لا يتوقف عند تسمية الهويات أو الإقرار بوجودها، بل يظهر في القوانين والمؤسسات والممارسات اليومية .
هل يستطيع أبناء المكونات المختلفة التعبير عن ثقافاتهم ؟
 وهل تحظى لغاتهم بالحماية والمكانة المناسبة ؟
 وهل يشاركون في صناعة القرار ؟ وهل توجد ضمانات دستورية تحول دون أن تتغير حقوقهم بتغير الحكومات أو موازين القوى ؟
هذه الأسئلة تنقل النقاش من مستوى النوايا والإعلانات إلى مستوى الحقوق والمسؤوليات، وتضع الدولة أمام استحقاق واضح :
 أن تكون دولة لجميع مواطنيها، لا أن تطلب منهم التشابه كي تعترف بمكانتهم فيها .
إن الاعتراف بالهوية لا يجزّئ الوطن، بل يمكن أن يكون أحد شروط تعزيز تماسكه . والمشكلة لا تكمن في تعدد الهويات، وإنما في غياب صيغة عادلة لتنظيم العلاقة بينها داخل الدولة .
 وحين يشعر كل مكوّن بأن وجوده مصون وحقوقه مضمونة، يصبح الانتماء الوطني أكثر ارتباطاً بالشراكة والثقة، وأقل خضوعاً للخوف والقلق .
فهل نريد دولة تعترف بالتنوع بوصفه حقيقة لا يمكن إنكارها فحسب، أم دولة تحوّل هذا الاعتراف إلى حقوق دستورية ومشاركة سياسية متساوية ؟
ربما يبدأ بناء الوطن من هنا : ليس من مطالبة أبنائه بالتخلي عن اختلافاتهم، بل من بناء دولة لا تجعل اختلافهم عائقاً أمام مواطنتهم .
ودمتم في وطنٍ يحمل قَدْرَ المواطن قبل كل شيء .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *