الرئيس أردوغان أعلن، في 11 حزيران/يونيو 2018، رسمياً عن انطلاق عملبات عسكرية في أقليم كوردستان تحت اسم “عملية قنديل”، مبيناً أنها لن تهمد إلا بالقضاء الكامل على مقرات حزب العمال الكوردستاني. وقد سبق تصريح الرئيس أردوغان، إعلان رئاسة الأركان جاهزيتها الكاملة لتنفيذ العملية.
وعن مواقف الجهات ذات العلاقة تجاه العملية، صرح وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، بأن العملية تجري في إطار التشاور والتنسيق مع الدول الأخرى، مشدداً على وجود حالة قبول إيرانية للعملية.
تركيا تقع في مصاف الدول الإقليمية التي تحتاج إلى جسرٍ وثيق يوصلها بدولةٍ أو دولٍ عظمى توفر لها الغطاء الأمني والدبلوماسي والحقوقي خلال تحركاتها العسكرية
يبدو أن الولايات المتحدة وافقت على العملية من كورقة تمنحها لتركيا مقابل قبول الأخيرة التعاون الحثيث معها في سوريا ضد النفوذ الإيراني وفي سبيل تحقيق مصالحها المنشودة. كما يبدو أن الإدارة الأمريكية رأت من الجيد حدوث انتشار تركي عسكري في العراق، يوازن الانتشار الإيراني على الصعيدين العسكري والسياسي، لا سيما وأن منطقة شمالي العراق تحاذ الحدود الإيراني. أيضاً، هناك الحاجة البينية المتبادلة بين تركيا والولايات المتحدة.
فتركيا تقع في مصاف الدول الإقليمية التي تحتاج إلى جسرٍ وثيق يوصلها بدولةٍ أو دولٍ عظمى توفر لها الغطاء الأمني والدبلوماسي والحقوقي خلال تحركاتها العسكرية، ولأن الدول العظمى تحتاج لإبقاء سيطرتها على أقاليم العالم الواسعة والمتناثرة عبر أفلاكٍ، دولٍ، إقليمية، يجتمع الطرفان، أي الدول الإقليمية والعظمى، في إطار مصالح بينية تجعل الدول العظمى تساند الدول الإقليمية في تحقيق هدفها، ولكن من دون التأثير في مصالحها الاستراتيجية، وهذا يعني أن الولايات المتحدة قد تساند تركيا في إتمام عملياتها العسكرية في العراق، ولكن بشكلٍ محدود خشية حدوث تصعيد جميع دول المنطقة في غنى عنه، لا سيما وأن سوريا هي أولويتها في الوقت الحالي، وليس العراق.
وفيما يتعلق بموقف الحكومة العراقية، فيبدو أن الانتخابات وما بعدها من تطورات اضطرت الجهات السياسية للانكفاء على الداخل، كما أن حاجة العراق في الوقت الحالي لعلاقات دبلوماسية جيدة مع تركيا، لضبط حدود شمال العراق على نحوٍ يقضي على الحلم الكردي بالاستقلال، ويضبط أو يقضي على تحرك الميليشيات الكردية تجاه كركوك، فضلاً عن الذريعة الشرعية التي تسوقها تركيا حول وجود فراغ سيادي للسلطة العراقية في المناطق التي ينتشر فيها هذه الميليشيات، وهو ما يمنحها حق التدخل للدفاع عن أمنها القومي. وجميع هذه العوامل دفعت، على الأرجح، الحكومة العراقية للموافقة على العملية.
تحاول تركيا اليوم حماية أمنها القومي الذي لطالما تعرض للتهديد من مقرات تنظيم “بي كا كا” شمالي العراق، ويبدو أن التوقيت ساعدها كثيراً في بلورة عمليتها العسكرية
وبحسبان حالة الانكسار التي يعيشيها إقليم شمال العراق الذي بات بحاجة ماسة لتركيا، كي ترفع الحصار الاقتصادي عنه، يمكن اعتبار موقفه إيجابي، وإن كان مضطراً، حيال العملية. غير أن إيران، وإن كان قد صرح وزير الخارجية التركي بإيجابية موقفها، لا يُعتقد أنها موافقة على مسار العملية. ليس فقط لأنها ترى أنها قد ترفع من نفوذ المنافس التاريخي “تركيا” في شمال العراق وبالتالي في العراق عامةً، بل لأنها استطاعت توظيف ورقة هذه الميليشيات لصالحها، واليوم يبدو أنها تتجه نحو فقدانها.
في المحصلة، تحاول تركيا اليوم بحجة حماية أمنها القومي الزحف عسكريا على مناطق أقليم كوردستان، ويبدو أن التوقيت ساعدها كثيراً في بلورة عمليتها العسكرية، إلا أن بعض السلبية في الموقف الإيراني حيال العملية، إلى جانب الطبيعة الوعرة لتضاريس المنطقة و دفاع قوات حزب العمال قد تشكل عائقاً أمام طموحها بالقضاء الكامل على مقرات التنظيم هناك.

