الناطق باسم “قسد” لـ”النهار العربي”: اتفقنا والجيش السّوري على مواجهة الهجوم التّركي المحتمل

يشهد الملف السوري تطورات متسارعة مع اقتراب آخر المواعيد التي حددتها أنقرة لبدء هجومها على الشمال السوري مع انقضاء عطلة عيد الأضحى، وسط معارضة الخصوم المنخرطين في الأزمة السورية لأي خطوة ميدانية تركية، مع اتفاقهم على مشروعية مخاوف أنقرة.
وجاء الموقف السوري الرافض للغزو التركي ومخاوف أنقرة على حد سواء، من خلال الإعلان عن خطوات عسكرية ميدانية غداة “توافق” مهم في شكله وتوقيته، وحتى رسالته بين كل من دمشق و”الإدارة الذاتية” المعلنة من طرف واحد.
 
توافق وليس اتّفاقاً
وكشف الناطق باسم “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، آرام حنّا، في تصريحات إلى “النهار العربي”، أن “ما تم التوصّل إليه بين الطرفين هو توافق وليس اتفاقاً، ومضمونه عسكري بحت، ينصّ أساساً على التوصّل إلى آلية ردع لتقدّم المحتل التركي على طول الأراضي السورية في الشمال، سواء على خط التماس أم على الشريط الحدودي، على أسس وطنية قائمة على هويّتنا السورية الجامعة”.
ونجحت تركيا من خلال العمليات العسكرية السابقة التي قامت بها خلال السنوات الخمس الأخيرة من تغيير حدودها مع سوريا، من خلال فرض سيطرتها على شريط ممتد من مدينة أعزاز في شمال حلب، وصولاً إلى بلدة تل تمر شمال غربي الحسكة بعمق يصل في بعض المناطق إلى ثلاثين كيلومتراً، كما الحال بالنسبة إلى مدينة الباب في ريف حلب الشمالي الشرقي، فيما تقطع بلدة عين العرب (كوباني) الواقعة تحت سيطرة “قسد” الفعلية بالتوازي مع وجود عسكري لدمشق، الممر التركي المذكور في منتصفه.
وفيما تتركّز عمليتا “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التركيتان في ريف حلب الواقع ضمن مناطق النفوذ الروسي، فإن إقدام أنقرة على عمليتها الثالثة “نبع السلام” في منطقة نفوذ واشنطن، التي تعلن دائماً عن تحالفها الوثيق مع “قسد” لمحاربة “داعش”، أدّى إلى زعزعة ثقة الإدارة الذاتية بحليفها الأميركي، ما يمكن اعتباره أحد الأسباب المسهّلة للتوافق المذكور.
انتشار الجيش السوري عزّز من قدراتنا الدفاعيّة
وكشف حنّا أن “الحكومة السورية نشرت قوّات جديدة على الامتداد الغربي لمناطقنا، وبخاصة في المنطقة التي تتعرّض للتهديد، حيث تم تعزيز مواقع قوات دمشق على المحور من عين عيسى وصولاً إلى كوباني، بما يضمن تعزيز موقف قوّاتنا الدفاعي عبر دخول السلاح النوعي، سواء المدفعية أم الدبابات، التي ستدعم جهود مقاتلي المجالس المحلية التابعة لقواتنا المنتشرة في تلك المناطق”.
في أواخر عام 2019، أفضى اتّفاق متأخر بين الحكومة السورية و”الإدارة الذاتية” إلى انتشار الجيش السوري في نقاط ومناطق واقعة تحت سيطرة “قسد”، غداة تنفيذ أنقرة عملية “نبع السلام” التي أدّت إلى سيطرة الأخيرة على مساحات جديدة في ريفي الرقة والحسكة في الشمال السوري، وإدارتها من خلال ذراعها العسكرية السورية المسمّاة بـ”الجيش الوطني”.
ووفق حنّا، فإن “الانتشار المذكور كان واقعياً لكنه لم يكن مجدياً، إذ لطالما تعرّضت نقاط الجيش السوري لاستهدافات مدفعية وجوّية تركية مباشرة”.
وواصلت أنقرة والميليشيات التابعة لها خروقها لاتفاقات وقف التصعيد، على الرغم من توقيعها على اتفاقات وقف إطلاق النار في سوتشي وأستانا وموسكو، لا عن نفسها فقط، بل بوصفها ضامناً لالتزام الميليشيات التابعة لها في شمال سوريا، والأخرى المنسّقة معها عبر نقاط المراقبة في إدلب بوقف إطلاق النار أيضاً.
كما أن وقف إطلاق النار ليس التعهّد الوحيد الذي لم يتم الالتزام به من جانب أنقرة. فقد نصت الاتفاقيات المذكورة على فتح أوتوستراد حلب – اللاذقية (أم 4) الدولي، وعلى فرز أنقرة المجموعات المسلّحة بين “معارضة معتدلة – ومعارضة متطرفة” تمهيداً للتخلّص من الأخيرة، وهما التزامان لم يف بهما الجانب التركي حتى الآن.
 
على القوى الدّولية حظر الأجواء أمام المسيّرات التركيّة
إلى جانب الاستهدافات المدفعية التركية المتواصلة على طول خطوط التماس، فإن الاعتداءات الجوّية التي تنفّذها أنقرة بواسطة مسيّراتها، تهدد الاستقرار في مناطق شمال سوريا، وتكشف في الوقت ذاته عن موافقة أميركية ضمنية على تلك الاعتداءات، في ظل تحكّم أنقرة بأجواء المنطقة الواقعة تحت سيطرة “قسد” شرق الفرات.
خلال الشهرين الماضيين فقط، أعلنت أنقرة من خلال وكالة الأناضول الرسمية، مسؤوليتها عن اغتيال القيادي في “قسد” فرهاد شبلي بواسطة مسيّرة خلال وجوده في العراق في حزيران (يونيو) الماضي بعد أيام من استهداف آخر بالقرب من سوق الهال في مدينة القامشلي، أدى إلى سقوط عدد من الجرحى المدنيين ودمار في الأبنية السكنية في ريف الحسكة.
وفي نهاية أيار (مايو) الماضي، أعلنت أنقرة تنفيذ عملية اغتيال بواسطة مسيّرة تركية في مدينة القامشلي أيضاً، وذلك بعد شهر من استهداف مماثل بالقرب من بلدة عين العرب (كوباني) في ريف حلب، سبقها اعتداء جوي على إحدى نقاط الجيش السوري في تل رفعت في ريف حلب الشمالي، حسب ما أعلنته بعض وسائل الإعلام الموالية لـ”قسد” من دون صدور بيان من قبل وزارة الدفاع السورية.
كما أعلن المركز الإعلامي لـ”قسد” بداية نيسان (أبريل) الماضي قصف مسيَّرة تركية سيارة عسكرية تابعة لـ”المجلس العسكري السرياني” في بلدة تل تمر في ريف الحسكة، ما أسفر عن إصابة قائدها بجروح بليغة مع مترجم كان برفقة القافلة، أثناء مرافقته للوفد الروسي المتوجه إلى محطة كهرباء تل تمر، التي تعرّضت لقصف جوي تركي أيضاً. وجاء القصف بعد 3 أيام من قصف مماثل بطائرة مسيّرة استهدف سيارة على الطريق الدولي السريع شمال شرقي الحسكة، ما أسفر عن مقتل ضرار جمعة حمزة، وإصابة اثنين كانا برفقته، أحدهما الشاعر المعروف محلياً فرهاد مردي.
ويرى حنّا أن “دخول السلاح النوعي إلى المنطقة” من خلال الانتشار الأخير “عزز من قدرة مقاتلينا على الصمود وإيقاف أي تقدّم لقوات الاحتلال التركي، لكن على القوى الدولية عموماً والقوات المسلّحة الروسية خصوصاً أن تلعب دورها الإيجابي والفاعل في ضبط أجواء المنطقة المهددة، ومنع العدو من استهداف القوات المدافعة، فنحن في النهاية قوّات مدافعة ولا نمتلك دفاعات جوّية” لصد المسيّرات التركية.
لكنه يضيف أن “الموقف الروسي رافض حتى الآن لأي تحرّك تركي في سوريا، لكن علينا أن نلتمس هذه الأقوال كأفعال على الأرض”.
تتفق كل من أميركا وروسيا وإيران على رفض أي عمل عسكري تركي في شمال سوريا، مع تأكيد الخصوم الثلاثة مشروعية المخاوف الأمنية لأنقرة، التي تعتبر حلفاء واشنطن في “قسد” ووحدات حماية الشعب التابعة للإدارة الذاتية غير المعترف بها، امتداداً لحزب العمال الكردستاني المدرج على لوائح الإرهاب في تركيا وأميركا والاتحاد الأوروبي.
قبل أسبوع نشرت وكالة أنباء الأناضول الرسمية باللغة التركية تصريحاً لوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، خلال زيارته أنقرة، جاء فيه أن بلاده “تتفهم إعلان تركيا  عملية عسكرية في سوريا”، مؤكّداً ضرورة “تبديد المخاوف الأمنية التركية تماماً ونهائياً”. فسّر البعض تصريح الدبلوماسي الإيراني بأنه موافقة ضمنية من طهران على العملية العسكرية التي يهدد أردوغان بشنّها منذ نحو شهرين، ليعود عبد اللهيان ويؤكد من محطته الثانية في جولته، من دمشق، رفض إيران المطلق لأي تحرّك عسكري تركي في سوريا، في موقف مطابق لموقف موسكو.
أما أميركياً، ورغم تحذيرات واشنطن المتكررة من أن “أي عملية عسكرية تركية من شأنها تقويض جهود محاربة داعش” في سوريا، إلا أن السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يرى أن “من الضروري الاعتراف بمخاوف الأمن القومي المشروعة لتركيا”، طارحاً في مقالة نشرها في موقع “فوك نيوز”، “إنشاء مناطق عازلة بين تركيا والعناصر التي تعتبرها أنقرة جماعات إرهابية”، إلى جانب “تقديم الدعم لأولئك الذين ساعدوا واشنطن في تدمير الخلافة الإرهابية، وضمان عدم ظهور داعش مرة أخرى”، وذلك من خلال “تطوير علاقة تجارية في الوقت نفسه بين الحكومة التركية وسكان شمال شرقي سوريا، عبر زيادة إنتاج كميات النفط المستخرجة، وهو ما سيعود بالفائدة على كل من سوق النفط العالمية، واقتصاديات شمال شرقي سوريا وتركيا”، بحسب رؤية السيناتور الأميركي بعد زيارة قام بها لأنقرة.
أطروحة غراهام قوبلت برفض غير مباشر من الرئيس المشارك لحزب الاتحاد الديموقراطي، صالح مسلم، الذي قال في تصريحات إلى وكالة “نورث برس” الكردية إن “تركيا احتلت مناطق كردية في شمال سوريا ،وهناك آلاف المهجرين من منازلهم، وقبل البدء بأي نقاش يجب إيجاد حل لهذه المناطق”.
حنّا اعتبر، من جهته، أن “موقف أميركا والتحالف الدولي لمحاربة داعش خلال السنوات الماضية لم يكن في المستوى المطلوب، الذي يضمن حماية المنطقة والمكتسبات التي حققناها في محاربة الإرهاب، لذا ليس هناك أي ضمانات فعلية حقيقية لردع المحتلّ،  رغم وجود تصريحات إعلامية تظل في إطار الأقوال فقط من دون أن يكون لها تأثير ميداني”.
مقابل الطرح الأميركي، فإن الطرح الإيراني تمثّل في إيجاد مصالحة بين دمشق وأنقرة، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الإيراني خلال زيارته دمشق عندما كشف عن أن أحد أهداف زيارته هو تحقيق هذه المصالحة، التي ترفضها دمشق ما لم يسبقها تحقيق شروطها في “إنهاء أنقرة احتلالها في سوريا، وكفّها عن دعم التنظيمات الإرهابية المسلّحة”.
ويرى حنا أن “الاتفاق (مع دمشق) على الصعيد العسكري اليوم سوف يدعم الناحية السياسية، التي تتضمن العديد من الخلافات والمفارقات بين الطرفين، وسوف يدعم الوصول إلى توافق شامل يدعم وحدة البلاد وسلامتها والحفاظ على التراب السوري كاملاً، وتحرير كل المناطق المحتلة في الشمال السوري في ظل حل سياسي شامل يدعم الاعتراف بالإدارة الذاتية وقوات سوريا الديموقراطية في الدستور السوري”.