ورقة بحثية حول كيفية أزالة أثار اتفاقية سايكس-بيكو على الشعب الكوردي وكيفية تشكيل دولة كوردستان – هشام عقراوي

يعتبر الشعب الكوردي من أكبر الشعوب غير ذاتية الحكم في العالم، حيث يقدر عددهم اليوم بأكثر من 45 مليون نسمة، ويقطنون أجزاءً من أربع دول هي: تركيا، سوريا، العراق، وإيران. ورغم تمتعهم بهوية ثقافية ولغوية واضحة، إلا أنهم ظلوا خاضعين للتقسيم منذ أوائل القرن العشرين، نتيجة التدخلات الاستعمارية واتفاقيات تجزئة الأراضي التي لم تراعِ حق تقرير المصير للشعوب.

ومن بين أهم هذه الاتفاقيات، اتفاقية سايكس-بيكو (1916) ، التي قسمت الشرق الأوسط بين القوتين الاستعماريتين فرنسا والمملكة المتحدة، مما أدى إلى تقسيم منطقة كوردستان إلى أربعة أجزاء تابعة لدول مختلفة، ومنع تحقيق حلم الدولة الكوردية المستقلة الذي كان قد بدأ يلوح في الأفق بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية.

أولاً: نبذة عن اتفاقية سايكس-بيكو

1.1 تعريف الاتفاقية:

في مايو 1916، وقعت كل من بريطانيا وفرنسا – بموافقة روسيا القيصرية – اتفاقية سايكس-بيكو السرية ، والتي تهدف إلى تقسيم الأراضي العربية ضمن الإمبراطورية العثمانية بعد انهيارها. سميت باسم المفاوضين: البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو .

1.2 بنود الاتفاقية المتعلقة بالكورد:

  • رغم أن الاتفاقية لم تشر صراحة إلى مستقبل الكورد، إلا أنها تجاهلت وجودهم كشعب له الحق في تقرير المصير .
  • قسمت الاتفاقية الأراضي الكوردية بين النفوذ الفرنسي (سوريا ولبنان) والنفوذ البريطاني (العراق)، بينما تركت مناطق في جنوب شرق الأناضول تحت السيطرة التركية.

1.3 تبعات الاتفاقية على الكورد:

  • حرمان الكورد من الفرصة التاريخية لتحقيق استقلالهم بعد انهيار الدولة العثمانية.
  • إدماجهم قسراً في الدول الحديثة التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى (تركيا، سوريا، العراق، وإيران).
  • عدم الاعتراف بحقوقهم القومية في المعاهدات الدولية اللاحقة مثل معاهدة سيفر (1920) ومعاهدة لوزان (1923).
ثانياً: وعد باكو ومحاولة تشكيل دولة كوردستان

2.1 معاهدة سيفر (1920):

بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وُقعت معاهدة سيفر في 10 أغسطس 1920، والتي نصت في المادة 140 على إمكانية قيام دولة كوردية مستقلة في حال تصويت سكان المنطقة لصالح الاستقلال خلال سنة واحدة.

كانت هذه أول مرة يُشير فيها نص دولي إلى حق تقرير المصير للكورد .

2.2 فشل تنفيذ معاهدة سيفر:

  • تمكن مصطفى كمال أتاتورك من إعادة ترتيب الجيش التركي وشن حرب ضروس ضد اليونانيين والأكراد.
  • تم التخلي عن معاهدة سيفر لصالح معاهدة لوزان (1923) ، التي تجاهلت الكورد تماماً وأعادت ترسيم الحدود بما يخدم الدولة التركية الحديثة.

2.3 تأسيس دولة “كوردستان بيتلس” (1927-1930):

  • أعلن الملك سليمان باشا النجارا قيام دولة كوردية مستقلة في منطقة بيتلس (جنوب شرق تركيا).
  • لكن الدولة لم تدم طويلاً بسبب الضغوط التركية والدعم المحدود من الدول الكبرى.
ثالثاً: التقسيم التاريخي لكوردستان
تركيا
شمال كوردستان
20 مليون
قمع سياسي وثقافي، وجود حزب العمال الكردستاني (PKK)
سوريا
غرب كوردستان
4 مليون
إدارة ذاتية منذ 2012، تحالف مع الولايات المتحدة
العراق
جنوب كوردستان
8 مليون
إقليم كوردستان منذ 1991، حكم ذاتي كامل تقريباً
إيران
شرق كوردستان
10 مليون
قمع شديد، وجود أحزاب كوردية معارضة

هذا التقسيم لم يكن طبيعياً، بل هو نتاج للسياسات الاستعمارية والقومية للدول الحديثة التي رأت في الكورد تهديداً لوحدتها الوطنية.

يتوزع الشعب الكوردي على أربعة دول رئيسية :

  1. كوردستان العراق : حوالي 8 ملايين،  إقليم كوردستان العراق يتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1991 بعد تدخل دولي (الحظر الجوي بعد حرب الخليج الثانية)، ويتمتع بحكومة وبرلمان وجيش (البيشمركة) وموارد نفطية.
  2. كوردستان تركيا : يعيش فيها نحو  حوالي 23 مليون كوردي تقريباً، ويمثلون نحو 20% من السكان، ويعانون من تمييز ثقافي وسياسي رغم بعض التحسن النسبي في الماضي.
  3. كوردستان سوريا : حوالي 4 ملايين، منطقة الجزيرة الفراتية، حيث تحصلت الإدارة الذاتية الكردية على حكم ذاتي فعلي منذ 2012، ضمن إطار “الإدارة الذاتية الديمقراطية” التي تُدار بواسطة قوات سوريا الديمقراطية (QSD).
  4. كوردستان إيران : تقع في غرب إيران، ويقطنها نحو حوالي 10 ملايين كوردي، ويعاني الكورد الإيرانيون من قمع شديد، خاصة من الحركات الانفصالية مثل “حزب كومله”.
رابعاً: تأثير اتفاقية سايكس-بيكو على القضية الكوردية حتى اليوم

4.1 تقويض الهوية الكوردية:

  • أدت سياسات الدول الأربع إلى طمس اللغة والثقافة الكوردية .
  • سياسة “التركيبة السكانية” في تركيا وسوريا، و”العربية” في العراق، و”الفارسية” في إيران، عملت على تهميش الكورد.

4.2 التعاون الضمني بين الدول الأربع:

  • جميع الدول الأربع ترفض فكرة الدولة الكوردية، وتتعاون بشكل غير مباشر لمنع أي تقدم في هذا الاتجاه.
  • تركيا تشن عمليات عسكرية داخل سوريا والعراق.
  • إيران تلاحق النشطاء الكورد، وسوريا لا تعترف بالإدارة الذاتية رسمياً.
  • العراق يتعامل مع الكورد كشريك محلي، لكنه يضع قيوداً على توسع صلاحياتهم.

4.3 غياب الدعم الدولي:

  • المجتمع الدولي لا يدعم قيام دولة كوردية جديدة، رغم دعم بعض الدول (مثل أمريكا وإسرائيل) للكورد في بعض الحالات.
  • الأمم المتحدة لم تتخذ موقفاً واضحاً حول حقوق الكورد، واكتفت بدعوة الحكومات إلى احترام حقوق الإنسان.
خامساً: التجارب الدولية والدروس المستفادة
ألمانيا
توحيد ألمانيا بعد انقسامها
حدث بموافقة القوى الكبرى، وليس بالقوة فقط
كوسوفو
استقلال بدعم أمريكي وأوروبي
بدون دعم خارجي، لا يمكن تحقيق الاستقلال
جنوب السودان
استقلال عبر استفتاء دولي
بدعم من الأمم المتحدة والغرب
كاتالونيا
مطالبة بالاستقلال دون نجاح
لأن الدولة الأم قوية ولم تدعمها القوى الكبرى

درس واضح من هذه التجارب: لا يمكن تحقيق الاستقلال دون دعم دولي وظروف استثنائية .

سادساً: الخيارات المتاحة أمام الكورد

6.1 الفدرالية أو الحكم الذاتي في كل دولة

  • الأكثر واقعية حالياً.
  • تجربة إقليم كوردستان العراق ناجحة نسبياً، رغم التحديات المالية والسياسية.
  • في سوريا، هناك إدارة ذاتية كوردية، لكنها تعتمد على الدعم الأمريكي وتواجه الضغوط التركية.
  • في تركيا وإيران، يصعب تحقيق هذا الخيار حالياً بسبب القمع.

6.2 الوحدة عبر اتحاد فيدرالي بين الأجزاء الكوردية

  • يمكن التفكير في نموذج “اتحاد كوردي” يتكون من أقاليم كوردية في كل دولة، مع حكومة مركزية مشتركة ولكن تحت السيادة الوطنية لكل دولة.
  • هذا يحتاج إلى موافقة الحكومات المركزية، وهو صعب جداً الآن، لكنه قد يكون حلاً وسطياً مستقبلياً.

6.3 الاستقلال الكامل لدولة كوردية موحدة

  • ممكن نظرياً إذا تحقق أحد السيناريوهات التالية:
    • انهيار الدولة السورية والعراقية بشكل كامل.
    • تدخل دولي شامل لحماية الكورد (مثل ما حدث في كوسوفو).
    • تغيير جذري في النظام التركي والإيراني نحو الديمقراطية والاعتراف بالحقوق القومية.
  • و لكن دولة كوردستان صعبة للغاية من الناحية الواقعية، لأن:
    • الدول الأربع (العراق وإيران وتركيا وسوريا) تتعاون بشكل غير مباشر لمنع قيام دولة كوردية مستقلة.
    • الدول الإقليمية والكبرى (روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، السعودية، إسرائيل…) لها مصالح مختلفة، لكن معظمها لا تدعم قيام دولة كوردية مستقلة كاملة.
    • التجارب التاريخية تشير إلى أن الشعوب المنقسمة (مثل الألمان قبل الوحدة، أو الفيتناميين، أو حتى الكوسوفيين) تحتاج إلى ظروف استثنائية (حروب، انهيار دولة، دعم دولي قوي) لتحقيق الوحدة.
هل يمكن إعادة خارطة المنطقة لصالح تركيا والكورد في آن واحد؟

 فكرة ضم  جزء أو أجزاء من كوردستان إلى تركيا: غير واقعية بسبب:

    • ردود فعل الدول المعنية (العراق وإيران وسوريا)، التي لن توافق على فقدان أراضٍ غنية بالنفط أو استراتيجية.
    • المجتمع الدولي لا يدعم أي فكرة تغيير الحدود الوطنية القائمة، خاصة بعد معاهدة سيفر ووعد باكو (التي رسمت الحدود الحالية).
    • تركيا نفسها ترفض حتى مجرد الحديث عن “دولة كوردية”.
سابعاً: الخلاصة
  • اتفاقية سايكس-بيكو كانت نقطة بداية تقسيم كوردستان، وحرمان الشعب الكوردي من حقه في تقرير المصير.
  • معاهدة سيفر أعطت أملاً للكورد، لكن معاهدة لوزان قضت عليه نهائياً.
  • اليوم، يعيش الكورد مقسمين بين أربع دول، كل منها تمارس سياسة قمع أو تمييز أو تهميش ضدهم.
  • رغم ذلك، هناك فرص لتحسين وضع الكورد عبر:

الحل الفيدرالي داخل الدول الحالية هو الأكثر واقعية

  • يجب العمل على تعزيز الحكم الذاتي في كل إقليم كوردي.
  • الضغط على الحكومات المركزية لتوفير حقوق ثقافية ولغوية وسياسية.

بناء لوبي كوردي دولي 

  •  لوبي يدافع عن الحقوق الكوردية في المحافل الدولية.
  • التعاون مع المنظمات الإنسانية، ووسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث.

توحيد الصف الكوردي داخلياً

  • إنهاء الانقسامات بين الأحزاب الكوردية .
  • بناء مشروع وطني يتجاوز الولاءات الطائفية أو المناطقية.

استخدام القانون الدولي كوسيلة ضغط

      • التذكير بأن معاهدة سيفر (1920) كانت أول إشارة إلى حق تقرير المصير للكورد.
      • استخدام مبدأ حق تقرير المصير كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة.

لا يمكن تجاهل أن الحل النهائي لمشكلة الكورد لن يكون إلا بتجاوز آثار اتفاقية سايكس-بيكو والسياسات القومية للدول الأربع ، سواء عبر تطوير أنظمة فيدرالية أو عبر تغييرات جيوسياسية مستقبلية.

الشعب الكوردي يمتلك هوية واضحة وثقافة غنية وتاريخاً طويلاً، لكنه يفتقر إلى الدعم الدولي والظروف الجيوسياسية الملائمة لإنشاء دولة مستقلة. الحل الأمثل حالياً هو تعزيز الحكم الذاتي داخل الدول القائمة ، والسعي إلى توحيد الجهود الكوردية داخلياً وخارجيًا لبناء اتحاد فيدرالي بين الأجزاء الكوردية، مع الحفاظ على الهوية والعمل على تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

التغيير الحقيقي يأتي بالصبر، والتنظيم، والوعي السياسي، وليس فقط بالشعارات الرنانه.

المراجع والمصادر:
  1. Sykes, Mark. The Caliph’s Last Heritage . 1915.
  2. Fromkin, David. A Peace to End All Peace . 1989.
  3. United Nations Charter, Chapter I, Article 1 (Right to Self-Determination).
  4. معاهدة سيفر (1920) – المادة 140.
  5. معاهدة لوزان (1923).
  6. مركز بروكنجز – تقارير حول مستقبل كوردستان.
  7. الأمم المتحدة – تقارير حول حقوق الشعوب الأصلية.
  8. تقارير هيومن رايتس ووتش.

One Comment on “ورقة بحثية حول كيفية أزالة أثار اتفاقية سايكس-بيكو على الشعب الكوردي وكيفية تشكيل دولة كوردستان – هشام عقراوي”

  1. تحية طيبة
    كنت أتمنى أن لا أسمع هذا الإسم أبداً خاصة من الكورد, سايكس بيكو كان نعمة من السماء هبطت على الممالك المحتلة من قبل العثمانيين, وكل من أراد دولة حصل عليها بكل سهولة , بمجرد التعاون مع المنتصرين, كل فعل عدا الكورد , سعيد بيران لم يقم بثورته من اجل كوردستان بل إنفعل وهاج وماج عندما طرد كمال خليفة المسلمين, الإنكليز حاولوا المستحيل مع الشيخ محمود الحفيد (أرجو أن تعرف معنى الحفيد) لتسثمر نفط كركوك ويجعلونه ملكاً على باشوية الموصل , …… إنسان واحد لم ينطق بإسم كوردستان قبل طرد الخليفة في 1924 بعد معاهدة لوزان, وأخيراً سلم الحفيد كل كوردستان بنفطها إلى الملك فيصل لأنه هاشمي وشكراً

Comments are closed.