٣١\٧\٢٠٢٥
عندما سألت الذكاء الإصطناعی عن تحليل نفسی-إجتماعی لمصیر الكورد فی سوریا أجابنی بأن ذلك یتطلب النظر في كيفية تأثير الصراع السياسي والعسكري، والهوية القومية، والتمييز التاريخي، والواقع اليومي على الوعي الفردي والجماعي للكُرد، وعلى أنماط العلاقات الاجتماعية، وعلى الصحة النفسية، وعلى التماسك المجتمعي.واللافت أن المواضيع تغيرت بشكل ملحوظ عندما وجهت نفس السؤال باللغة الإنگلیزیة، خاصة فیما یتعلق بدور المرأة وتأثیر المقاومة. الأمر الذی قد لا يسهل علی القارئ فهم هذا الواقع المتوقع من جميع جوانبه. لذلك أردت أن أبسط الأمر فی هذه المقالة وذلك بإعطائی لنفسی الحق فی إجراء بعض التنقيح والتلخیص فی جمع كلا الإصدارات حول هذا الموضوع المعقد والذي يتعلق بالواقع السیاسی الحرج فی الشرق الأوسط الجديد عموما و فی سوریا بصورة خاصة.
من هذا الجانب نستطيع تلخيص الموضوع من خلال المحاور الرئيسية التالية:
١. الهوية الكردية في سياق القمع والاعتراف:
- الإنكار التاريخي: لعقود طويلة من الزمن عانى الكُرد من سياسة الإنكار القومي في سوريا كما هو الحال فی جميع أنحاء كوردستان المقسمة بین تركیا و إيران والعراق وسوریا؛ الكورد مُنعوا من استخدام لغتهم، و تأخر منح الجنسية للكثيرين منهم فی سوریا حتى سنة ٢٠١١، وتعرضوا لممارسات تعريب ممنهجة (مثل مشروع “الحزام العربي” الذی بدأ سنة ١٩٧٤).
- الهوية الجريحة: تراكم الإقصاء خلق نوعًا من الهوية الجريحة (wounded identity) التي تجمع بين الإحساس بالفقدان ، والتحدي، والرغبة في الاعتراف.
- الصحوة الهوياتية بعد ثورة ٢٠١١ خلق نوعًا من الاعتزاز الهوياتي الجماعي، لكنه في الوقت ذاته زاد من حالة الاستقطاب مع مكونات أخرى في سوريا، مما فاقم الشعور بالعزلة أو “الاختلاف الوجودي”.
٢. آثار الحرب على الصحة النفسية:
- الصدمة الجماعية (Collective Trauma): الحرب والتهجير وعمليات القصف التركي (مثل في عفرين وسري كانيه)، والنزوح القسري، أنتجت صدمات نفسية جماعية عميقة، تتجلى في:
- اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD).
- فقدان الأمان الوجودي.
- الحزن الجماعي على الأرض والثقافة والشهداء.
- اضطراب الثقة: كثير من الكُرد يعيشون في خوف دائم من فقدان ما تبقى من حقوقهم أو مناطقهم، نتيجة خيانة سياسية محتملة من أي جهة دولية (مثلاً تجربة الانسحاب الأميركي سنة ٢٠١٩)، ما يزرع عدم ثقة حتى في أقرب الحلفاء.
٣. تحولات في النسيج الاجتماعي
- تبدل الأدوار الاجتماعية: بسبب الحرب حصلت تغيرات في البنية الأسرية والاجتماعية. كثير من النساء أصبحن معيلات، و كثير من الشباب فقدوا فرص التعليم والعمل.
- ظهور نماذج جديدة من القيادة الاجتماعية: مثل النساء المقاتلات، والكوادر المدنية الشابة في الإدارة الذاتية، مما يُحدث تصادمًا أحيانًا مع الأعراف التقليدية.
- إشكالية التعايش: النزاع زاد التوتر بين الكُرد والعرب في بعض المناطق، مما أثّر على التماسك الاجتماعي، مع نشوء روايات متضادة عن “الحق”، و”السيطرة”، و”الهوية”.
٤. النفس الجمعية ومفهوم المستقبل
- القلق الوجودي: يعاني المجتمع الكردي من نوع من “القلق الوجودي المزمن“، ناتج عن الشعور بعدم الاستقرار، وغياب الضمانات، والتجارب التاريخية المُكررة من الخذلان (مثل اتفاقية الجزائر سنة ١٩٧٥ خيانة اتفاقات سابقة).
- الأمل المؤجل: رغم الظروف الصعبة، كثير من الكرد يحتفظون برؤية إيجابية للمستقبل، قائمة على حلم “الحرية والكرامة”، لكنها غالبًا مشروطة بظروف لا يمكن التحكم بها، مما يسبب نوعًا من التمزق النفسي بين التفاؤل والخذلان.
٥. أثر الحركة السياسية على الوعي النفسي–الاجتماعي
- الأحزاب الكردية، وخاصة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، لعبت دورًا في تعزيز الشعور بالكرامة والقدرة على التنظيم. لكنها في الوقت نفسه فرضت نموذجًا أيديولوجيًا قد لا يتوافق مع الجميع، مما أدى إلى تضييق على التعددية داخل المجتمع الكردي نفسه.
- الصراع بين الأحزاب (PYD مقابل ENKS) يؤدي إلى استقطاب داخلي يعمّق حالة الارتباك لدى الفرد الكردي في تحديد “من يمثلني؟”.
٦. أجيال مختلفة، وذاكرات مختلفة
- الجيل القديم: يحمل ذاكرة القمع والإنكار تحت النظام السوري.
- الجيل الوسيط: يحمل ذاكرة الثورة وبناء “روژئافا” بكل ما فيه من أمل وتناقض.
- الجيل الشاب: يعيش في حالة هشاشة نفسية، ممزق بين واقع مأزوم وحلم غامض، ويواجه ضغوطات نفسية مضاعفة: البطالة، الهجرة، فقدان الأهل والأصدقاء، غموض المستقبل.
خاتمة:
التحليل النفسي–الاجتماعي للكُرد في سوريا يكشف عن مجتمع يعيش في ظل نزاع مزدوج:
- نزاع خارجي من أجل البقاء والاعتراف.
- نزاع داخلي من أجل إعادة تعريف الذات والهوية والعلاقات.
ومصير هذا المجتمع لن يُحدد فقط بالسياسة، بل أيضًا بقدرته على التكيف، تجاوز الصدمة، إعادة بناء الذاكرة المشتركة، وتأسيس سردية جديدة تقوم على المصالحة المجتمعية والعدالة.

