الذين لم يَخْطَفوا طفلًا … ولم يَسْبُوا امرأةً – بقلم : محمد ديب أحمد

منذ أن اشتعلت النار في سورية ، قبل أكثر من أربعة عشر عامًا ، تحوّلت البلاد إلى مسرحٍ للجنون ، تتقاطع فوقها الفتاوى والسكاكين ، وتتبدّل فيها الرايات كما تتبدّل الوجوه .
ذُبحت المدن ،
وسُبيت النساء ،
واختُطِف الأبرياء ،
وتحوّل الإنسان إلى رقم .
في تلك المتاهة المظلمة سقطت الأقنعة ، وتهاوت الأخلاق ، وأصبح القتلُ لغةً لا تحتاج إلى ترجمان .
لكن وسط كل هذا الخراب ، بقي هناك استثناءٌ يشبه النور في آخر النفق :
الكُرد
لم يخرج الكرد يومًا ليغزوا أرضًا ليست لهم ،
ولم يرفعوا سلاحهم إلا دفاعًا عن بيوتهم ومدنهم وأطفالهم .
وحين زحفت جحافل التكفيريين الجهاديين من الشرق ، والمغامرين القوميين من الغرب ، والفصائل المأجورة من كل صوب ،
كان الكرد يقفون على التلال لا يطلبون حربًا ، بل يصدّون الموت عن صدورهم وعن أطفالهم .
لم يكن في قاموسهم سَبْيٌ ولا غنيمة ولا ثأر .
لم تُختطَف في مناطقهم امرأةٌ باسم الدين ،
ولم يُقتل رجلٌ لأنه يخالفهم مذهبًا أو لسانًا .
لم تشتعل نار الحقد الطائفي في قراهم ،
ولم تُعلَّق رؤوس الأبرياء على أبواب مدنهم …
وعندما تكسّرت سوريا إلى خرائط من دم ،
تحوّلت مدن كردستان إلى الملاذ الأخير للإنسان ،
ولكل من سار إليهم طلبًا للأمان والسلام .
استقبلوا كل من قصدهم من كل المدن ،
دون سؤالٍ عن دينٍ أو طائفة ،
في زمنٍ صار فيه الخطفُ تجارة ، والاغتصابُ سلاحًا ،
والسبيُ فتوى ،
بقيت المناطق الكردية شاهدةً على أن القوّة ليست أن تَقتل ، بل أن تَحمي .
وهكذا ، وسط طوفان الوحشية ،
حافظ الكرد على إنسانيتهم كما يحافظ الزاهد والراهب على صلاته وخشوعه في ليلٍ طويلٍ من الخوف والرجاء .
لقد اتُّهموا بأنهم انفصاليون ،
لكنهم وحدهم لم ينفصلوا عن ضمير الإنسان …
واتُّهموا بأنهم خارجون على الدولة ،
لكنهم وحدهم من حافظ على الدولة الأخلاقية في زمنٍ سقطت فيه كل القيم .
قاتلوا الإرهاب حين كان كثيرون يناصرونه ويبايعونه ويمدّون له يد العون .
الكردُ حموا نساءهم ، حين كان آخرون يقدّمون نساءهم باسم جهاد النكاح ،
ويبيعونهنّ في أسواق الرذيلة تحت راياتٍ مقدّسة زيفًا .
نعم ، في خريطة الدم السورية ،
بقي اللون الكردي هو الأكثر نقاءً .
لم يشارك في سوق السبايا ،
ولم يساوم على الكرامة ،
ولم يبدّل مبادئه بثمنٍ أو سلطةٍ أو شعارٍ زائف .
وروج آفا ،
 التي لم تُعلن استقلالها ، كانت الأكثر استقلالًا في ضميرها .
لم تسجد للطغاة ، ولم تتورّط في قذارة الفتاوى ،
بل اختارت أن تكون الجبل الذي يحمي ، لا السيف الذي يذبح .
سلامٌ على من قاتلوا ليبقوا بشرًا ،
وسلامٌ على من لم يَخْطَفوا ، ولم يَسْبُوا ، ولم يَخونوا …
سلامٌ على الكُرد ومن والاهم ،
أولئك الذين كلما سقطت الأقنعة ، ازدادوا شرفًا ونخوةً ،
فاستحقّوا المجد والعلياء .

One Comment on “الذين لم يَخْطَفوا طفلًا … ولم يَسْبُوا امرأةً – بقلم : محمد ديب أحمد”

  1. نعم لكل ما تفضلت’ لقد فتحوا صدرهم لكل البشر لقد قبلوا بعيون مغمضة ونية صادقة وتسامح مطلق, ولذلك تغلغلت المسيحية في الإمبراطورية الساسانية الكوردية حتى قتلوا الملك وسقطت الدولة إلى غير رجعة وهكذا هم الكورد وزبدتهم اليزيديون, هم في آخر الناس واليزيديون في آخرهم

Comments are closed.