“إيهٍ أيتها الحرية، كم رائعةٌ أنتِ، ومرعبةٌ في الوقت نفسه” – لويس آراغون-
في الذاكرة الإنسانية محطاتٌ لا تمحى، تظلّ عالقةً كندبةٍ مفتوحة، تذكّرنا بأن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو اختبارٌ دائمٌ لإنسانيتنا. وتأتي ذكرى مجزرة حلبچة بوصفها واحدةً من أكثر تلك المحطات إيلاماً، حيث امتزجت المأساة الفردية بالمأساة الجماعية، وارتسمت صورة الإنسان وهو يواجه الموت في أكثر صوره قسوةً وتجريداً.
في تلك اللحظة الفارقة من أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن الموت مجرد نهاية، بل كان حضوراً كثيفاً يملأ الهواء ذاته. غازاتٌ خانقة، وروائحُ لا تُحتمل، وأجسادٌ تبحث عن ملاذٍ فلا تجد سوى الفراغ. تحوّلت الطبيعة، التي كانت يوماً ملاذاً وملجأ، إلى فضاءٍ معادٍ، يلفظ الحياة بدل أن يحتضنها.
وسط هذا المشهد القاتم، تتجسد حكاية “گلستان” بوصفها صورةً مكثّفة للمعاناة الكردية آنذاك. ليست مجرد امرأة، بل رمزٌ للإنسان حين يُلقى به في قلب الكارثة، عارياً من كل شيء إلا من ذاكرته. اسمها، الذي يعني “الوردة الجبلية”، يبدو مفارقاً لواقعها؛ إذ اقتُلعت هذه الوردة من تربتها، وقُذفت إلى عراءٍ قاسٍ لا يشبه شيئاً من ماضيها.
تستعيد گلستان، في لحظات انكسارها، تفاصيل حياتها التي كانت. حبّها لزوجها شوان، دفء الطبيعة، وبساطة الأيام التي سبقت العاصفة. لكن هذه الذكريات، بدلاً من أن تكون عزاءً، تتحول إلى عبءٍ مضاعف؛ فهي تذكّرها بما فقدته إلى الأبد. هكذا تتجاور في وجدانها صورتان: حياةٌ كانت تنبض، وموتٌ يزحف ببطءٍ لا يُقاوم.
إن تجربة النزوح، كما تكشفها هذه الحكاية، ليست انتقالاً مكانياً فحسب، بل هي اقتلاعٌ جذريّ من الزمن أيضاً. فالمخيم، بأسلاكه الشائكة وقاعاته الصفراء، ليس مجرد فضاءٍ مادي، بل هو حالةٌ نفسية تُعلّق الإنسان بين ماضٍ لا يعود، ومستقبلٍ لا يتشكل. هناك، يصبح الهواء ثقيلاً، والذاكرة أكثر وطأة من الواقع.
وتبلغ المأساة ذروتها حين تفقد گلستان زوجها، لا في ساحة معركةٍ واضحة، بل في صمتٍ خانق داخل كهفٍ مظلم. الموت هنا ليس بطولياً، بل صامتٌ، بطيء، ومجرّد من أي معنى سوى الفقد. ومع ذلك، تستمر الحياة بشكلٍ غامض؛ طفلٌ بين ذراعيها، وجنينٌ في أحشائها، كأن الحياة تصرّ على البقاء حتى في أحلك الظروف.
هذه الثنائية – بين الموت والحياة – هي ما يمنح القصة بعدها الإنساني العميق. فگلستان لا تمثل الضحية فقط، بل تمثل أيضاً القدرة الغامضة على الاستمرار. إنها صورةٌ للأم التي تواجه العدم بإرادةٍ غريزية، حتى حين يجفّ الحليب ويضيق الأفق.
في استحضار هذه الذكرى، لا يكون الهدف مجرد استعادة الألم، بل إعادة طرح الأسئلة الكبرى: كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى أداة فناء؟ وكيف يمكن لذاكرةٍ مثقلةٍ بالموت أن تظلّ قادرةً على إنتاج الحياة؟
إن مأساة حلبچة، بما تحمله من رمزية، ليست حدثاً معزولاً في التاريخ، بل جرحٌ مفتوح في الضمير الإنساني. ومن خلال حكاية گلستان، تتجلى الحقيقة الأشد قسوة: أن الضحايا لا يُختزلون في أرقام، بل هم حيواتٌ كاملة، وأحلامٌ انكسرت، وقصصٌ لم تكتمل.
تبقى گلستان، في النهاية، أكثر من شخصية روائية؛ إنها شاهدٌ حيّ على زمنٍ اختلط فيه الهواء بالموت، وعلى إنسانٍ حاول، رغم كل شيء، أن يتمسك بخيط الحياة. وفي ذلك، ربما تكمن المفارقة الأعمق: أن أكثر اللحظات ظلاماً قد تحمل، في طيّاتها، بذرة الضوء.
وإليكم هذه الحكاية التي كتبتها قبل سنوات:
گلستان
عندما توشِكُ الشمسُ على إخفاءِ وجهها خلفَ تلك التلةِ الرابضةِ هناك منذ الأزلْ، تبدأ الأقدام تسير بخطواتٍ ثقيلةٍ تعبةٍ باتجاه القاعات الصخرية الباردة، المرصوفة بإنتظامٍ وسط جدرانٍ مسيّجة باسلاكٍ شائكةٍ مشّددةٍ واضواءٍ كاشفة.
يخنقُ نزلاء معسكر النازحين، هواءٌ ثقيلٌ جاف، تفوحُ منه روائح كريهة تملأ فضاء القاعات الصفراء التي يشعر المرء فيها، وكأنها مناطيدَ معبأةٍ بغازاتٍ خفيفةٍ، يُخشى ان تنطلقَ فجأةً نحو الأعلى. وقد زينتْ جدران هذه القاعات، بلا اعتناء، بصورٍ وشعاراتٍ تثير القرف.
الألم يعتصر قلوب هذه المجاميع البشرية، الغارقة في دوامةِ الفاجعة التي آلمت بها، وهي تحاول جاهدةً استعادة ذكرياتها عن الوطن الأم، حلوة كالشهد حيناً، ومُرّة كالعلقم في اغلب الأحيان.
وكًلستان.. المرأة الجبلية الجميلة تنتظر الزوبعة القادمة، بعد ان قذفتها العاصفة الهوجاء بدخانها الأسود الى مرافئ تجهلها تماماً. تنتظرُ الزوبعة، وهي منزوية في ركن من اركان القاعة، تحتضن طفلها الرضيع بيار.
تستعيد كًلستان شريط ذكرياتها عن تلك الأيام الجميلة، عندما كانت تنامُ مع شوان في احراشٍ تمورُ بالحب.. واخرى قاسية ومؤلمة حد اللعنة، عندما سارت حاملةً طفلها بيار عبر الطرقاتِ الوعرةِ والوهادِ الصعبة والطرق غير السالكة، وهي تتذكر القرى الخَرِبَة والحيوانات المقتولة والمزارع المحروقة.
سارت مشياً على الأقدام مع اسرابٍ مؤلفة من الكُرد، رجالا ونساء واطفالا، هرباً من تلك الغيوم السوداء القاتلة التي عصفت بالمنطقة على حين غرة.
بعد ان اصيب زوجها شوان برصاصةٍ في فكهِ الأسفل، اضطرتْ كًلستان على ان تختفي معه في كهفٍ رطبٍ يبتلعُ الأصوات، ويتناثرُ فيه الصمت، ولا ينفذ اليه الضوء، وتتسكع فيه الحشرات جيئة وذهاباً، وتزحفُ فيه السحليات في كل الأتجاهات.
اختفيا مع طفليهما، لئلا تصيبهم تلك السُحُب السوداء والرياح الزاحفة اليهم. رياحٌ تفوحُ منها رائحةً كريهةً تُزكم الأنوف.
حتى كادَ نفاذ الغازات الى الكهف ان يقتلهم جميعاً.
لا تزال كًلستان غارقة بدوامة عالقة في مخيّلتها، ولا تبارح ذهنها.
“لقد اصبحت قطعة الحجرهي الجبهة التي تنوحُ عليها الأحلام- كما يقول لوركا- والأصابعُ قفازٌ من الحديد الأسود اخذتْ تفتح الجمجمة وتبحث عن الزهرة والخاتم”.
وفجأة حدثَ ما حدثْ:
فارقها شوان دون رجعة..
كان مسترخياً قبالتها، يحتضر امام عينيها.. يبكي طويلا، ويتنفس بصعوبة بالغة..
حاول شوان ان يبتسم، إلا ان ابتسامته تخثرتْ على شفتيه.. تغيرتْ ملامحه كثيرا، وتوقف قلبه عن الخفقان..
ارادت كَلستان ان تصرخ.. خرج صوتها مبحوحاً، وظنت ان احداً لن يسمعها..
هو لم يبصر الموت: “ان القتيل، اذا شاء، يرقص، لكنه لا يغني”.
فارقها شوان تاركاً لها طفلا، وجنيناً في جوفها..
شوان… شوان… ش.. وا… ن.
يصاب صوتها ببحة.. تسعلُ طويلاً، وتختلطُ عليها الأشياء.. تحاولُ ان تصمد وتمسك بزِمام الموقف. لا تريد ان يوقِعها الأعياء، فتسقطْ.
“الموت من امامكم
الموت من ورائكم
الموت بانتظاركم
الموت…”
كانت السماء كساءً لهما، والحشائش البرية زاداً يومياً.
كل صباح تنتظر كًلستان الفجر لترى النور خارج هذا الكهف..
لكن رائحة الحرائق والغازات كانت تملأ فضاء المنطقة.. ودوّي الانفجارات وصخب لا تعرف كنههما يملآن اذنيها..
حاولت ان تجتاز ذلك السياج لتهرب منه الى حيث لا تدري.. اوقفها الحراس، واعادوها الى حيث الركن الذي اعتادت ان تنزوي فيه.
من جديد.. تعود كًلستان الى شريطِ ذكرياتها، لكنّها في هذه المرة منطرحة.. لا تقوى على الحِراك.
يحلُ الظلام ويسدل الليل اوزاره.. وما يزال نحيب كًلستان يملأ القاعة.
لقد جفَّ حليبها، ولا تدري كيف ستُرضع طفلها الذي ينحل ويصغر يوماً بعد آخر.
***
ويتغير الزمن ويدور دورة واخرى، ويكبر بيار، وينمو الجَنين في جوف كًلستان..
“ايها الجسد يا شريان النهار العميق
ايها المطر الناعم.. تعالَ، برداً عنيفا”.

