ليست الأمم العظيمة هي التي تنهار أولًا، بل تنهار المعرفة التي صنعت عظمتها. فالتاريخ يخبرنا أن روما لم تسقط في يومٍ واحد، ولم تُهزم بالسيوف وحدها، بل سبق سقوطها تآكلٌ في العدالة، واتساعٌ في الفجوة بين الطبقات، وتحولُ الدولة من خدمة المجتمع إلى حماية الامتيازات. وحين فقدت المعرفة مكانها في إدارة الدولة، أصبحت القوة بديلًا عن الحكمة، وبدأت الإمبراطورية تأكل نفسها من الداخل.
وكذلك بغداد، عاصمة بيت الحكمة، لم تكن مجرد مدينةٍ احترقت، بل كانت رمزًا لعصرٍ ازدهر فيه العقل والعلم والترجمة والفلسفة. لكن حين ضعفت قيمة المعرفة في إدارة الدولة، لم يعد احتراق المكتبات هو الكارثة الحقيقية؛ فالاحتراق كان قد بدأ في العقول قبل أن يصل إلى الكتب.
وقبل سقوط بغداد سنة 1258، كانت هناك صورة مؤلمة تختصر جانبًا من ذلك الانهيار. فقد تراجعت أو انقطعت أرزاق عدد من الجنود، وأُسقط كثير منهم من سجلات الديوان، فانتهت أحوال بعضهم إلى سؤال الناس في الأسواق والجوامع. أي أن الرجل الذي كان يحمل السلاح ويحمي الدولة أصبح هو نفسه يمد يده طلبًا للعيش.
ثم جاءت اللحظة التي دخل فيها هولاكو بغداد، وكشفت الخزائن شيئًا من المفارقة القاسية: أموالٌ وثرواتٌ مكدسة في الوقت الذي كانت فيه الدولة تعاني ضعفًا في قدرتها على الدفاع وحماية جنودها. وتروي المصادر قصة شهيرة عن مواجهة هولاكو للخليفة المستعصم بعد أن كُشفت خزائنه؛ إذ وُضع أمامه طبق من الذهب، وقيل له بمعنى الرواية: «كُلْ!» فأجاب بأنه لا يستطيع أكل الذهب، فجاءه الرد الشهير: «فلماذا احتفظت به ولم تنفقه على جنودك؟ ولماذا لم تجعل أبواب الحديد رؤوس سهام، حتى تمنعني من عبور النهر؟». وهذه الرواية وردت بصيغ مختلفة في المصادر، ولذلك لا ينبغي التعامل مع ألفاظ الحوار حرفيًا بوصفها حقيقة قطعية، لكن مغزاها التاريخي والأدبي واضح: ما قيمة الثروة إذا عجزت الدولة عن تحويلها إلى حماية للإنسان والدولة؟
وهنا تبدأ الفكرة التي أريد الوصول إليها.
إن أخطر أزمة تواجه أي مجتمع ليست الفقر وحده، ولا البطالة وحدها، ولا الجريمة وحدها، بل أزمة المعرفة؛ لأن المجتمع الذي لا يعرف أسباب أزماته سيقضي عمره في مطاردة نتائجها.
في الأيام الأخيرة سمعت أن بعض الأجهزة الإدارية قد تتجه إلى منع التسول. وقد يبدو القرار صحيحًا في ظاهره، لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل قرار هو:
من الذي صنع المتسوّل؟
المتسوّل لا يولد في الشارع، بل يصل إليه بعد رحلة طويلة من الانكسار.
يبدأ الأمر بفقدان العمل، ثم تتراكم الديون، ثم يبيع الإنسان ما يملك، ثم يقترض من هذا وذاك، حتى يصل إلى لحظة لا يجد فيها من يقرضه ولا من يمد له يد العون. عندها لا يختار التسول حبًا فيه، بل لأنه يرى فيه آخر باب مفتوح للحياة.
وهنا يمكن أن نتذكر بغداد القديمة.
كان بعض الذين انتهوا إلى التسول قبل سقوطها جنودًا كانوا يتقاضون أرزاقًا من الدولة، ثم فقدوا تلك الأرزاق، فوجد بعضهم نفسه في الأسواق والجوامع يسأل الناس.
أما اليوم، فالصورة قد تكون أكثر غرابة وإيلامًا: متسوّل الأمس كان جنديًا فقد راتبه، ومتسوّل اليوم قد يكون موظفًا ما زال يتقاضى راتبه.
الفرق أن الرجل في بغداد القديمة فقد مورد رزقه بسبب خلل في إدارة الدولة، بينما قد يجد الموظف اليوم أن راتبه موجود، لكنه لم يعد قادرًا على مواجهة تكاليف الحياة والديون والإيجار والطعام والتعليم والعلاج.
فهل المشكلة في يد الموظف التي امتدت؟
أم في منظومة اقتصادية واجتماعية جعلت الراتب لا يكفي صاحبه؟
وهنا يصبح التسول أكثر من مجرد سلوك فردي؛ يصبح مرآةً لخلل.
إن العدالة الاجتماعية ليست أن يزداد الغني غنىً ثم يُلام الفقير على فقره، بل أن يمتلك كل إنسان حقه الطبيعي في العيش الكريم. فالفرق الطبقي حين يتحول إلى هوة بين قصور مترفة وأحياء عاجزة عن شراء الخبز، فإنه لا ينتج الكراهية فقط، بل ينتج اليأس أيضًا.
وهنا يفرض سؤال نفسه:
أيّهما أخطر على المجتمع: المتسوّل أم الفاسد الذي ساهم في صناعة الظروف التي أوصلته إلى التسول؟
المتسوّل يطلب لقمة يعيش بها، أما الفاسد فيسرق مدرسة، ومستشفى، وفرصة عمل، ومستقبل أجيال كاملة. ومع ذلك، كثيرًا ما نجد المجتمع يطارد المتسوّل لأنه ظاهر للعين، بينما يبقى الفاسد محميًا بالنفوذ والسلطة والعلاقات.
وهنا تكمن المفارقة التي تكشف أزمة المعرفة:
نرى النتيجة ولا نبحث عن السبب.
نرى اليد الممدودة، ولا نسأل لماذا امتدت.
نرى الفقير في الشارع، ولا نسأل عن الطريق الذي أوصله إليه.
نرى الجريمة، ولا نسأل عن البيئة التي أنتجت بعض أسبابها.
ثم نأتي في النهاية لنقول: لنمنع التسول!
ولكن ماذا عن الإنسان الذي كان يتسول لأنه لم يجد طريقًا آخر؟
إن منع التسول، إذا تم دون معالجة أسبابه، قد لا يلغي حاجة الإنسان، بل قد يدفع بعض الحالات إلى البحث عن طرق أخرى للحصول على المال. فقد ينتقل المحتاج من مدّ يده إلى الناس إلى مدّ يده إلى ممتلكاتهم، أي من التسول إلى السرقة.
وإذا أُغلقت أمامه حتى هذه الطرق بالحراسة والرقابة، فقد تلجأ بعض الحالات المنهارة إلى أساليب أكثر عنفًا، وقد يصل الأمر في الحالات القصوى إلى الاعتداء على الآخرين أو القتل.
وهذا لا يعني أن كل متسوّل سيصبح سارقًا، ولا أن كل سارق سيصبح قاتلًا؛ فالإنسان لا تحكمه الحاجة وحدها، وهناك عوامل أخلاقية ونفسية واجتماعية وقانونية كثيرة. لكن المقصود هو أن إغلاق باب دون فتح باب آخر قد ينقل المشكلة من صورة أقل خطورة إلى صورة أكثر خطورة.
لذلك فإنني مع معالجة التسول، ولست مع منع التسول فقط.
فالمنع وحده قد يكون مجرد نقل للمشكلة من مكان إلى مكان آخر.
أما العلاج فيبدأ بالسؤال: لماذا وصل هذا الإنسان إلى الشارع؟
والحلول ليست مستحيلة.
تبدأ بتأهيل المتسوّل مهنيًا ونفسيًا، والتعامل معه باعتباره فردًا منا، لا غريبًا عن المجتمع. وتستمر بتوفير فرص عمل حقيقية، وصندوق للعدالة الاجتماعية يحمي الأسر المنهارة، وبرامج لمعالجة الديون الصغيرة، ومساعدات مؤقتة للحالات الطارئة، وربط الدعم بإعادة دمج الإنسان في سوق العمل والإنتاج، لا بإدامة حاجته.
وهنا تبرز المقولة الشائعة المنسوبة إلى المسيح في معنى المساعدة المنتجة: لا تكتفِ بإعطاء الإنسان السمك، بل علّمه كيف يصطاد.
فالمساعدة الحقيقية ليست أن تجعل الإنسان محتاجًا إليك إلى الأبد، بل أن تمنحه القدرة على الوقوف على قدميه.
كما يجب أن تكون هناك آلية لمعرفة الحالات الحقيقية؛ لأن التسول قد يكون أحيانًا فرديًا اضطراريًا، وقد يكون في حالات أخرى منظمًا أو قائمًا على استغلال الأطفال والضعفاء. ولذلك فإن الحل يحتاج إلى معرفة وتمييز ومتابعة، لا إلى قرار واحد يشمل الجميع.
نحن لا نحتاج إلى دولة تطارد اليد الممدودة فقط، بل إلى دولة تسأل: لماذا امتدت هذه اليد؟
ولا نحتاج إلى مجتمع يكتفي بإخفاء الفقر من الشوارع، بل إلى مجتمع يعالج الأسباب التي تصنع الفقر واليأس.
الدولة القوية ليست التي تُخلي شوارعها من المتسولين، بل التي تمنع أبناءها من الوصول إلى التسول أصلًا.
أما الدولة التي تُخفي الفقير وتُبقي الفساد، فهي لا تعالج الأزمة، بل تُجمّل وجهها فقط.
ولهذا أختم بما بدأت به:
ليست المشكلة في المتسوّل وحده، بل في المنظومة التي أنتجت حاجته، وفي المعرفة التي غابت عن فهم جذور المشكلة.
فحين نفهم الأسباب، نستطيع أن نبني علاجًا يحفظ كرامة الإنسان ويحمي المجتمع في الوقت نفسه.
لأن معالجة التسول تبدأ من السؤال:
لماذا وصل هذا الإنسان إلى الشارع؟

