الكُرد … ذاكرةٌ لا تُشطب – بقلم : محمد ديب أحمد

في الشرق الأوسط ، ليست المشكلة في وجود شعوب تبحث عن مكانها ،
بل في سلطاتٍ ما تزال تبحث عمّن تحمّله مسؤولية فشلها .
ومن سوء حظّ الكرد أنّ جغرافيتهم ، بصلابتها ، تقع دائماً في قلب اللعبة ؛
ليس لأنهم طارئون ، بل لأن وجودهم يعرّي هشاشة السرديات الرسمية التي بُنيت على الإنكار .
فكلّما تعثّرت أنظمة المنطقة في إدارة حاضرها ،
اكتشفت فجأة أنّ الأزمة ليست في سياساتها ،
بل في شعبٍ سبق الدولَ والحدودَ والأيديولوجيات …
شعبٍ كان هنا قبل أن يتعلّم بعضهم تهجئة كلمة وطن .
هندسة الهويّات … هواية من لا يملك تاريخاً يقدّمه .
الأصليون يتحوّلون إلى طارئين ،
والطارئون إلى أوصياء ،
والجغرافيا إلى وثيقة تحتاج إلى ختمٍ سياسي كلّما تغيّر المزاج في العواصم .
في هذا الشرق المعجون بالمفارقات ،
يصبح الكرد ، أقدم شعوب المنطقة ، وافدين في الروايات الرسمية ،
بينما يجلس القادمُ لتوّه  أو القادمُ بالأمس في مقعد المالك الذي يوزّع شهادات الانتماء …
وما يثير السخرية أن بعضهم يُمنّن الكرد بالسماح لهم بالبقاء في أرضٍ تحمل أسماءهم قبل أسلافهم …
خطابٌ لا سند له ولا وثيقة ، سوى رغبة محمومة في ليّ عنق الجغرافيا حتى تلتفت لمن يريدها لا لمن يملكها .
وفي سرديات الإنكار ، يتحوّل الكرد إلى ملفٍّ أمني بلا سبب :
لغةٌ يجب مراقبتها ،
هويةٌ يجب ترشيدها ،
وجودٌ يحتاج إلى دليل …
ودليلٌ لا يُطلب من أحدٍ غيرهم .
لكن السؤال الذي يفضح هشاشة هذه السردية هو :
كيف يُطالَب شعبٌ بقدم الجبال بإثبات أنه لم يصل أمس؟
كيف يتحوّل صاحب الأرض إلى ضيف ،
ويجلس الوافدُ المتأخر في مكان المُضيف ؟
روايتهم تنهار عند أول احتكاك بالحقيقة …
فالجبال كردية ،
والأسماء كردية ،
والذاكرة وكلُّ القصص والحكايات ، كردية …
وليس الكرد إضافةً على هامش الشرق،
بل جزء من بنيته الصلبة ، ومن صوته العميق ،
ومن روحه الأولى .
ومع ذلك يستمرّ الخطاب الوصائي في الظهور بين فترة وأخرى ،
ليقدّم للكرد محاضراتٍ جاهزة حول التعايش ،
وكأن الكرد هم الذين وفدوا إلى الشرق ،
ويكتبون التاريخ كما لو كان منشوراً على صفحة حكومية .
ما يزعج خصوم الكرد ؟
ليس السلاح و التحالفات ،
ولا السياسة !
الذي يزعجهم هو شيء واحد :
أن الكرد ، رغم كلّ ظروف الإنكار والقمع ،
ما زالوا شعباً كاملاً يمتلكون ذاكرةً لا تُمحى ،
وأرضاً لا تخون أصحابها ،
ولغةً تنمو حتى تحت الركام ،
ووعياً سياسياً بات يفهم اللعبة أكثر مما يفهمها اللاعبون أنفسهم .
الخاتمة … التي لا يحبّ البعض سماعها هل يفهم هذا الشرقُ نفسه دون الكرد ؟
وهم جزءٌ من أصل الحكاية برمّتها ؛
وحكايةُ الأصل لا تُشطب مهما تغيّرت الأقلام .

One Comment on “الكُرد … ذاكرةٌ لا تُشطب – بقلم : محمد ديب أحمد”

  1. السيد محمد ديب أحمد المحترم.
    تحية.
    أحسنت اختيار الموضوع وأبدعت في التعبير عنه بالتحليل الموضوعي والواقعي والدبلوماسي وباسلوب جُمل مفيدة قصيرة.

    محمد توفيق علي

Comments are closed.