في الشرق الأوسط ، ليست المشكلة في وجود شعوب تبحث عن مكانها ،
بل في سلطاتٍ ما تزال تبحث عمّن تحمّله مسؤولية فشلها .
ومن سوء حظّ الكرد أنّ جغرافيتهم ، بصلابتها ، تقع دائماً في قلب اللعبة ؛
ليس لأنهم طارئون ، بل لأن وجودهم يعرّي هشاشة السرديات الرسمية التي بُنيت على الإنكار .
فكلّما تعثّرت أنظمة المنطقة في إدارة حاضرها ،
اكتشفت فجأة أنّ الأزمة ليست في سياساتها ،
بل في شعبٍ سبق الدولَ والحدودَ والأيديولوجيات …
شعبٍ كان هنا قبل أن يتعلّم بعضهم تهجئة كلمة وطن .
هندسة الهويّات … هواية من لا يملك تاريخاً يقدّمه .
الأصليون يتحوّلون إلى طارئين ،
والطارئون إلى أوصياء ،
والجغرافيا إلى وثيقة تحتاج إلى ختمٍ سياسي كلّما تغيّر المزاج في العواصم .
في هذا الشرق المعجون بالمفارقات ،
يصبح الكرد ، أقدم شعوب المنطقة ، وافدين في الروايات الرسمية ،
بينما يجلس القادمُ لتوّه أو القادمُ بالأمس في مقعد المالك الذي يوزّع شهادات الانتماء …
وما يثير السخرية أن بعضهم يُمنّن الكرد بالسماح لهم بالبقاء في أرضٍ تحمل أسماءهم قبل أسلافهم …
خطابٌ لا سند له ولا وثيقة ، سوى رغبة محمومة في ليّ عنق الجغرافيا حتى تلتفت لمن يريدها لا لمن يملكها .
وفي سرديات الإنكار ، يتحوّل الكرد إلى ملفٍّ أمني بلا سبب :
لغةٌ يجب مراقبتها ،
هويةٌ يجب ترشيدها ،
وجودٌ يحتاج إلى دليل …
ودليلٌ لا يُطلب من أحدٍ غيرهم .
لكن السؤال الذي يفضح هشاشة هذه السردية هو :
كيف يُطالَب شعبٌ بقدم الجبال بإثبات أنه لم يصل أمس؟
كيف يتحوّل صاحب الأرض إلى ضيف ،
ويجلس الوافدُ المتأخر في مكان المُضيف ؟
روايتهم تنهار عند أول احتكاك بالحقيقة …
فالجبال كردية ،
والأسماء كردية ،
والذاكرة وكلُّ القصص والحكايات ، كردية …
وليس الكرد إضافةً على هامش الشرق،
بل جزء من بنيته الصلبة ، ومن صوته العميق ،
ومن روحه الأولى .
ومع ذلك يستمرّ الخطاب الوصائي في الظهور بين فترة وأخرى ،
ليقدّم للكرد محاضراتٍ جاهزة حول التعايش ،
وكأن الكرد هم الذين وفدوا إلى الشرق ،
ويكتبون التاريخ كما لو كان منشوراً على صفحة حكومية .
ما يزعج خصوم الكرد ؟
ليس السلاح و التحالفات ،
ولا السياسة !
الذي يزعجهم هو شيء واحد :
أن الكرد ، رغم كلّ ظروف الإنكار والقمع ،
ما زالوا شعباً كاملاً يمتلكون ذاكرةً لا تُمحى ،
وأرضاً لا تخون أصحابها ،
ولغةً تنمو حتى تحت الركام ،
ووعياً سياسياً بات يفهم اللعبة أكثر مما يفهمها اللاعبون أنفسهم .
الخاتمة … التي لا يحبّ البعض سماعها هل يفهم هذا الشرقُ نفسه دون الكرد ؟
وهم جزءٌ من أصل الحكاية برمّتها ؛
وحكايةُ الأصل لا تُشطب مهما تغيّرت الأقلام .


السيد محمد ديب أحمد المحترم.
تحية.
أحسنت اختيار الموضوع وأبدعت في التعبير عنه بالتحليل الموضوعي والواقعي والدبلوماسي وباسلوب جُمل مفيدة قصيرة.
محمد توفيق علي