هل ديمقراطيتنا محكوم عليها أن تفشل ؟ هل ديمقراطيتنا ولدت ميتة ؟ فشل الديمقراطية في العراق ليست حالة طبيعية نبحث عن مبررات لها ونمر عليها مرور الكرام ، إنها كارثة تخفي وراءها أسرار لابد من كشفها ، لا نريد أن نقول لبقية الأمم بأن المجتمع العراقي مجتمع ناقص غير جاهز للديمقراطية أو نقول بأن ثقافتنا لا تتقبل التطبيقات المستوردة في بناء نظام الحكم ، المسألة أبعد من ذلك ، المسألة لا تخص المجتمع والشعب ، المجتمع ضحية والناس ضحية فهي حالة مقصودة والقصد منها أن لا يصل المجتمع العراقي إلى الديمقراطية الحقيقية ويتنعم بحلاوتها وأجواءها لأن قادة الأحزاب والتنظيمات التي دخلت البلاد عبر المنافذ غير الحدودية كانت منذ البداية عازمة أن لا ديمقراطية حقيقية في هذا البلد ، فهي من البداية كانت حاملة معها بديل أفضل من الديمقراطية حسب اعتقادها وهذا البديل هو الأيديولوجية الدينية الراكدة والمعتقة لمئات السنين والتي فشلت وتآكلت لعشرات المرات واليوم يعاد تجربتها لعلها تنجح برؤوس هذا الجيل المغفل ، وهذه الأيديولوجيّة تموت في أجواء الديمقراطية لذلك يجب إبعاد هذه الأجواء الدخيلة ، صحيح أن هذه الأحزاب والتنظيمات تسلقت من خلال الديمقراطية إلى سدة الحكم ولكن بعد وضع قبضة اليد على الحكم لابد من طرح البديل تحت فوهة البنادق ليتقبلها الناس ، ماهذا البديل ؟ هي أيديولوجية الإسلام السياسي والتي تؤمن بأن الحكم لله وعناصر تلك التنظيمات هم وكلاء الله في الأرض ، وما على الناس الا تسليم أمرهم لله ، وعلينا نحن عامة الناس أن نؤمن بوكالتهم المصدقة من الله . الديمقراطية يجب أن تغادر بلا رجعة من أرض الأنبياء وأرض الرسالات فهي ثوب الكفار الذين يساوون بين السيد والعبد ويعطون للمرأة وللطفل حقه ، الديمقراطية نظام سياسي غير مقبول لأنها نظام أخلاقي قانوني يخدم عامة الناس ولابد أن نضعها في خانة المحرمات وتشويهها فهو واجب علينا الانتقام من هذه الثقافة الراقية ومن مؤسسيها . إذاً هناك عقدة مخفية في صدور الذين عاشوا في كنف الماضي ويريدون بقاء الماضي كابوساً تحدياً لكل تطور ( طبعاً سيارات التاهو مقبولة من مؤسسي الديمقراطية ، جهاز الأيفون مقبول ، الانترنيت مقبول ، الملابس الأنيقة والإكسسوارات ووسائل الراحة مقبولة ، أنواع العطور مقبولة منهم لكن الديمقراطية الحقيقية تحرمهم من هذه الملذات أو قد ينالوها بشق الأنفس ، وهم لم يتربوا ولم يتعلموا معنى شق الأنفس لأن الدجل لا يعطيهم حق العمل وليس فيه تعب ) هذه هي بأختصار قصة فشل الديمقراطية عندنا . الديمقراطية تنجح في مكان أخر دون مشقة وعناء ، هل نستطيع أن نقول بأن الأخلاق ممكن نجاحها في مجتمع وفي مجتمع أخر لا ، الأخلاق هي الأخلاق حاجة إنسانية لكل إنسان إينما وجد ، حقيقة الديمقراطية هي بناء أخلاقي للمجتمع . . أحزاب سياسية تحمل ايديولوجيات مخالفة للديمقراطية وتتقاطع مع الديمقراطية وتموت عندما تشم رائحة الديمقراطية ، هل مثل هذه الأحزاب ستكون حريصة على تطبيق الديمقراطية ؟ أكيد لا ، هي من واجبها تشويه الديمقراطية وإظهارها بمنظر قبيح بشع لكي يتسنى لها تطبيق أيديولوجياتها والتنفيس عن فحواها لأنها رسالة يجب ايصالها . . هنالك فارق كبير بين الإيمان بالإنسان التي تسعى إليها قيم الديمقراطية والإيمان بالمبادىء الأيديولوجية التي تسعى إليها الأحزاب العقائدية ، الإيمان بالإنسان يعني الإيمان بالأخلاق ، بالقيم ، بالحرية ، بالديمقراطية ، يعني لا يوجد شيء أغلى من الإنسان ، أما الإيمان بالمبادىء الأيديولوجية يعني أن الإنسان وسيلة لتحقيق المبادىء ، ولكي نختصر الطريق فأن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان معوقات يجب التخلص منها ، هذه هي حقيقة الإيديولوجيات التي تريد تطبيق مبادىء ماضيوية عتيقة . هؤلاء يريدون أن يحييون العظام وهي رميم ، هذا هو تفكير من يدعي بأنه وكيل الله . من أفشل الديمقراطية ؟ أفشلته الأحزاب الأيديولوجية ، أفشلته دول الجوار العقائدية ، أفشلته دول المنطقة ذات الحكومات العائلية ، أفشلته الشعوب الجاهلة التي لا تعرف مصلحتها ، وعندما فشلت الديمقراطية تنفست العشائرية وظهرت الطائفية ، وعادت الروح للماضي السحيق وظهر الفساد وهلهلت العائلية وساد التخلف ، كلهم رابحون وكلهم فرحون وكان الخاسر هو نفسه الخاسر في كل زمان ، أيام الإضطهاد في ظل النظام البائد ونفسه الخاسر أيام الحصار ونفسه الخاسر أيام حرب القادسية الملعونة وهو المواطن البسيط المغلوب على أمره . لا توجد أيديولوجية حزبية تخدم الشعوب هذه كذبة مجربة ، الأيديولوجية التي تخدم الشعوب هي التي لا تبحث عن السلطة وليست لها دعاة يحملون السلاح ضد الناس .

