قياس درجة النجاح: مفاوضات إيران وأمريكا نموذجاً – د. عبدالباقي مایی

 

 

یقول العلم الحديث بأن من لایستطیع قياس ما يقوم به لا يعرف ما يعمل. و لكی یتمكن العلم من تشخيص أهدافه و قياس درجة نجاحه فی الوصول إلی أهدافه، عليه أن يستوعب أولایات و خلفيات الموضوع الذی یتعرض إلی عملية التشخيص و قیاس درجة النجاح فیه.

و لو أن النجاح يُعدّ من أكثر المفاهيم تداولاً في الخطاب الإنساني، ألا أنه يظل من أشدّها غموضاً وتعقيداً حين يُراد تعريفه أو قياسه بدقة. فإذا كان النجاح في ظاهره بلوغَ هدفٍ أو تحقيقَ غاية، فإن عمقه النفسي والاجتماعي يكشف عن منظومة متشابكة من القيم والتوقعات والمعايير التي تُشكّلها الثقافة وتُكرّسها المجتمعات. ومن ثَمّ، يغدو التساؤل المشروع: هل يقيس الفرد نجاحه بمقياسه الداخلي الخاص، أم بمرآة المجتمع الذي ينتمي إليه؟

لا يُولَد الإنسان وفي ذهنه تصوّر جاهز عن النجاح؛ بل يكتسب هذا التصوّر تدريجياً عبر عمليات التنشئة الاجتماعية والتطبيع الثقافي. فالأسرة تغرس معايير أولية، والمدرسة تُعزّزها، وتأتي وسائل الإعلام والمحيط الاجتماعي لتُعيد صياغتها وتوسيع نطاقها. وقد أوضح عالم الاجتماع بيير بورديو في نظريته حول رأس المال الثقافي أن المجتمعات تُحدّد نماذج النجاح المقبولة وتُضفي عليها شرعيةً رمزية، مما يجعل الأفراد يسعون إلى تحقيقها لا لقناعتهم الذاتية، بل لاستيفاء شروط الانتماء والاعتراف الاجتماعي. وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح حين تختلف مقاييس النجاح بين مجتمع وآخر: ففي ثقافات فردانية كالنموذج الغربي، يرتبط النجاح ارتباطاً وثيقاً بتحقيق الذات والإنجاز الشخصي، في حين يُقاس في الثقافات الجماعية كثيراً بمدى إسهام الفرد في رفعة عائلته أو مجموعته. وهذا التباين لا يعكس اختلاف الأهداف فحسب، بل يعكس تباين الهويات النفسية بأسرها.

يُفرز هذا الضغط الاجتماعي ما يمكن تسميته بـ”أزمة المعيار المُعار”، إذ يتبنى كثيرون مقاييس للنجاح لا تنبع من قناعاتهم الحقيقية، بل تُفرض عليهم من الخارج. ويتمثّل ذلك في ظاهرة نفسية موصوفة يُعرّفها علم النفس الاجتماعي بـ“المقارنة الاجتماعية”، التي صاغها ليون فيستنغر عام 1954، والتي تؤكد أن الأفراد يُقيّمون أنفسهم وقدراتهم بالقياس إلى الآخرين لا إلى معايير موضوعية مطلقة.

إن قياس درجة النجاح قياساً حقيقياً يستلزم الجمع بين بُعدين لا غنى لأحدهما عن الآخر: البُعد الذاتي الداخلي المتمثل في الرضا النفسي والانسجام مع القيم الشخصية، والبُعد الموضوعي الخارجي الذي يأخذ في الحسبان السياق الاجتماعي والثقافي للفرد. وقد أسهمت نظرية تحديد الذات لريتشارد رايان وإدوارد ديسي في تقديم إطار نظري رصين لهذا الغرض، إذ تُميّز بين الدوافع الداخلية الأصيلة والدوافع الخارجية المفروضة، وتُثبت أن الرضا الحقيقي عن النجاح لا يتحقق إلا حين تنبع الأهداف من الإرادة الحرة لا من الإملاء الاجتماعي.

لو أخذنا هذا المنظار النفسیإجتماعی بنظر الإعتبار نجد بأن الفشل في التوصّل إلى اتفاق، خلال مفاوضات إسلام آباد (11–12 أبريل 2026) بين الولايات المتحدة وإيران، يطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز حسابات الربح والخسارة الدبلوماسية: كيف يُعرّف كلٌّ من الطرفين النجاحَ؟ وبأيّ مقياس يُقيسانه؟ إنّ الإجابة عن هذين السؤالين تكشف، من منظور نفسي اجتماعي، أن غياب الاتفاق لا يعني بالضرورة أن الطرفين فشلا بالقدر ذاته، بل إن كلاً منهما قد يعتدّ بنتيجة مختلفة تماماً وَفق منظومة قيمه ودوافعه. وفق هذا المنظار يحصل كل من الطرفین علی نجاح یتجاوز ٥٠%، وهو نجاح لا بأس به لو إستمر فی البقاء والنمو كما حصل لمشروعنا فی إدخال الصحة النفسية للطفل كموضوع أكایمی لأول مرة فی كوردستان سنة ٢٠٠١، وهو مستمر فی النجاح بنسبة لا تقل عن ٦٠ % لحد الآن بعد مضی ربع قرن،  وإن كان یسیر كالسلحفاة لكی یتجاوز التوقعات فی البداية. و هذا النجاح يتحقق تدریجیا بعد تعب و إرهاق يجدر بطرفی الصراع فی الجولة الثانية من المفاوضات بین إيران و أمریكا أیضا أن يعانوا علی أقل تقدير.  لأن كلاهما يستحقان  حقا المزيد من المعاناة.

تحليل نفسیإجتماعی

١٦\ ٤\ ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *