في مأساة تاريخية لم تشهد لها سوريا مثيلاً، يتحول الشعب السوري الواحد إلى “شعوب سورية متعددة” متنافرة ومتصارعة تحت حكم “هيئة تحرير الشام”. ما كان يوماً نسيجاً متنوعاً من الطوائف والأعراق والأحجام الثقافية، أصبح اليوم منعطفاً مفزعاً نحو التفتيت المنهجي والكراهية المؤسسة. هذا التحول ليس عفوياً أو مصادفة، بل هو نتيجة لسياسة مدروسة ومدمرة تهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع السوري وفقاً لأجندة طائفية متشددة.
الجولاني: المهندس المعماري للانقسام
استراتيجية التصنيف الطائفي
ببراعة مروعة، وضع الجولاني تصنيفه الثلاثي المؤسف الذي يقسم الشعب السوري إلى فئات متفاوتة القيمة: المفضلون هم العرب السنة الجهاديون من الطراز نفسه، والغضوب عليهم هم العلويون والدروز والأكراد والشيعة، بينما الظالمون يضمون المسيحيين والإيزديين والإسماعيليين والأقليات الدينية الأخرى. هذا التصنيف ليس مجرد تصنيف فكري أكاديمي، بل هو آلة عمل حقيقية لتفتيت المجتمع السوري وتفريقه إلى مكونات متنافرة لا تستطيع الترابط.
أدوات التفتيت المنهجي
العنف كسياسة
الجولاني لم يكتفِ بالقتل العشوائي أو المحدود، بل طور فن الإبادة الجماعية كأسلوب حكم حقيقي. مذابح السويداء وجرائم الساحل وعمليات القتل الجماعي في مناطق مختلفة ليست مجرد جرائم فردية، بل هي رسائل سياسية واضحة ومدروسة: “هذا ثمن الانتماء لآخر، وهذا هو مستقبل من يرفض سيادتنا”. هذه السياسة العدوانية تهدف إلى زرع الخوف والرعب في قلوب المكونات الأخرى، ودفعها إلى القبول بالإذعان أو مغادرة البلاد.
الإذلال كأسلوب
ما يفعله الجولاني يتجاوز مجرد القتل أو الاغتيال، بل يصل إلى الإذلال المنهجي والمهين الذي يشبه الأساليب التاريخية المروعة من عهد الفتوحات الإسلامية المبكرة. قطع الرؤوس وإعطاؤها للزوجات كطعام كما فعلها خالد بن الوليد ليس مجرد وحشية أولية، بل هو سياسة إرهابية محسوبة ومدروسة بهدف كسر الإرادة ونشر الرعب. هذه الأساليب ليست أفعال فردية، بل هي سياسة مؤسسية واضحة تهدف إلى تدمير الكرامة الإنسانية وفرض الهيمنة بالقوة والعنف.
التهميش المؤسسي
منح المناصب العليا للجهاديين الأجانب و المرتزقة ليس خطأً إدارياً بسيطاً أو ضعف في اختيار الكفاءات، بل هو استهتار علني وصريح بالشعب السوري وثقافته وقدراته. هذه الرسالة السياسية واضحة كالشمس: السوريون المحليون غير مؤهلين أو غير موثوقين، والوافدون الجدد من الخارج أفضل منهم وأهل للقيادة. هذا التهميش المؤسسي يخلق حالة من الإحباط والاستياء بين السوريين الأصليين، ويزرع بذور الاستعمار الداخلي في قلوبهم.
سياسة “فرق تسد” في الممارسة
خلق عداوات متقاطعة و لا تهمه النتائج
العداوة بين العلويين والجهاديين التابعين للجولاني و المصنيفين على الطائفة السنية أصبحت الآن عداءاً عميقاً لا يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة بعد صدور التقرير المزور للجنة التحقيق الذي أخفت حقيقة الجرائم ومسؤولية الجهات الفاعلة. أصبحت المصالحة مستحيلة تقريباً بسبب عمق الجراح وحجم الدماء المسفوكة. الدماء المسفوكة في الساحل والسويداء لن تُنسى بسهولة، والأجيال القادمة ستورث كراهية عميقة ومستمرة. هذا الصراع ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو صراع وجودي يهدد استمرارية الحياة المشتركة.
العداوة بين الدروز والعشائر المحلية تزداد تعقيداً مع كل يوم، حيث يعمل الجولاني على زرع الفتنة بين القبائل المحلية واستغلال الخلافات التاريخية والاقتصادية. خلق حالة من الريبة المتبادلة المستمرة يجعل من المستحيل بناء أي نوع من الثقة أو التعاون بين المكونات المختلفة. هذه السياسة المدمرة تهدف إلى منع أي تعاون محتمل ضد الهيمنة الجهادية.
محاولات فرض العداء بين الكورد والعرب حتى الآن لم تحقق النجاح المطلوب، رغم المحاولات المتكررة والمتواصلة و هذا بسبب نهج الإدارة الذاتية الكوردية الذي أثبت صلابته أمام سياسات التفتيت، ورفضت بشدة أي محاولات لزرع الكراهية بين المكونات. هذا الرفض المبدئي للتفتيت يُظهر أن هناك قوى في سوريا لا تزال تؤمن التعايش السلمي و لكن الى متى ستنجح الادارة الذاتية في الوقوف بوجه مؤامرات الجولاني لخلق صدع بين الكورد و العرب؟؟.
المقارنة المؤلمة: الأسد مقابل الجولاني
النظام الأسدي: وحدة القمع
النظام الأسدي، رغم قسوته وطغيانه، كان يحافظ على نوع من الوحدة الوطنية من خلال القمع المركزي. التنوع الثقافي والديني والطائفي كان مكبوتاً لكنه موجود فعلياً في الواقع الاجتماعي. الهوية السورية كانت محفوظة رغم القمع السياسي، وكانت هناك رموز وطنية مشتركة تجمع الناس. التصادم الطائفي والطباقي كان محدوداً وموجهاً سياسياً وفقاً لحسابات السلطة، ولم يكن هدفاً في حد ذاته.
حكم الجولاني: التفتيت بأسم الوحدة
في المقابل، حكم الجولاني يقوم على مبدأ معاكس تماماً: وحدة التفتيت والانقسام. التنوع الثقافي والديني معدوم فعلاً بالإجبار والعنف، والهوية السورية ممزقة نهائياً إلى شظايا متنافرة. التصادم الطائفي والديني مفتوح ومعلن ومسلح، وهو هدف في حد ذاته وليس وسيلة فقط. هذا النوع من الحكم يهدف إلى تفتيت المجتمع وإضعافه لتسهيل السيطرة عليه.
الأبعاد الإنسانية للمأساة
تدمير الثقة المتبادلة
الجولاني لم يدمر فقط المباني والبنية التحتية، بل دمر الروابط الإنسانية العميقة التي بنت سوريا عبر قرون طويلة من العيش المشترك. الطفل السوري اليوم ينظر إلى جاره من طائفة مختلفة ليس كشريك في الوطن، بل كعدو يجب مواجهته أو تجنبه. الان أول ما يفكر فية الفرد في سوريا هو من أي طائفة أنا و هل ظائفتي هي السائدة أم معرضة للخطر. هذه الكسرة النفسية والاجتماعية أعمق وأخطر من أي دمار مادي، لأنها تؤثر على الأجيال القادمة ومستقبل الوحدة الوطنية.
ولادة جيل من الكراهية
الأطفال الذين يشاهدون العنف والقتل الجماعي والانتهاكات المروعة لا يستطيعون التسامح أو النسيان. العائلات التي فقدت أفرادها في المجازر الجماعية لن تنسى هذه الجرائم، والأجيال القادمة ستورث كراهية عميقة ومتأصلة. هذا الجيل الجديد ينشأ على كراهية متبادلة، ويرى الآخر كتهديد وليس كمواطن. هذه الكارثة الإنسانية ستستمر لعقود، وستكون عبئاً ثقيلاً على مستقبل سوريا.
العوامل القليلة التي تقف في وجه التفتيت الكامل
نهج الإدارة الذاتية الكوردية و خطاب بعض الدروز
نهج الإدارة الذاتية الكوردية يمثل بديلة حقيقية لسياسة التفتيت، حيث يرفض هذا النهج المبدئي سياسة التفتيت والتقسيم الطائفي. التمسك باللاقومية والتنوع الثقافي والديني يجعل من هذه التجربة نموذجاً إيجابياً يقاوم سياسات التفتيت. بناء نموذج بديل للأدارة والتعايش السلمي يُظهر أن هناك طرقاً أخرى للوحدة الوطنية لا تعتمد على الكراهية والتفريق.
الدروز و على الرغم من الابادة التي تعرضوا لها و محاولات تفتيت الدروز الى أصداقاء لنظام الجولاني و عملاء لأسرائيل ألا أن أصوات العقل لا تزال تعمل على لحمة ما يمكن أنقاذه.
الوعي المجتمعي المتزايد
رغم الأوضاع الصعبة، هناك رفض متزايد للتطرف من قبل أجزاء واسعة من المجتمع السني، حيث يبدأ الناس في إدراك خطورة ما يحدث وفهم حقيقة السياسات المطبقة. البحث عن بدائل حقيقية ومسالك مختلفة يُظهر أن هناك وعياً جماعياً بالخطر. الذاكرة الجماعية التي لن تنسى الجرائم والمجازر تشكل حاجزاً أخلاقياً أمام تكرار هذه الكوارث. و لكن القمع يقع عائقا كبيرا في نجاح هذا الخطاب الخجول.
التداعيات المقلقة
على المستوى الداخلي
انهيار الهوية السورية المشتركة يخلق حالة من الفراغ الهوي والانتماء، حيث يفقد المواطن السوري شعوره بالانتماء الوطني. انتشار الكراهية والعداء بين الجماعات المختلفة يجعل من المستحيل أي نوع من التفاهم أو المصالحة. صعوبة أي حل سياسي مستقبلي تصبح حقيقة واقعة، لأن الأساسيات نفسها للوحدة الوطنية قد تبددت.
على المستوى الإقليمي
تعميق الانقسامات الطائفية في المنطقة يخلق حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، حيث تنتقل آثار هذه الكراهية إلى دول الجوار. انتشار التطرف والفكر الجهادي في المنطقة يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي. تعقيد أي تسوية مستقبلية في سوريا يجعل من المستحيل إيجاد حلول سلمية دائمة.
طريق الجولاني هو طريق إلى الجحيم الجماعي
ما يمارسه الجولاني ليس ثورة أو تغيير إيجابي، بل هو هندسة اجتماعية محسوبة ومدمرة تهدف إلى تفتيت الشعب السوري وإعدامه ببطء. تحويل شعب واحد إلى “شعوب متعددة” متعادية هو أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، لأنه يدمر الأساسات الأخلاقية والاجتماعية للعيش المشترك. هذه السياسة المدمرة لا تخدم سوى أجندات طائفية ضيقة، وتخلق كارثة إنسانية مستمرة.
من المفروض أن الدم السوري لا يُساوم عليه، وأن العدالة لا تُعطى لمن يرتكبون المجازر باسم الدين والثورة. الشعب السوري يستحق وحدة حقيقية قائمة على التسامح والعدالة والمساواة، وليس على التفتيت والكراهية والتفريق. أي حل سياسي مستقبلي يجب أن يبدأ من إعادة بناء الثقة المتبادلة وترميم الروابط الإنسانية الممزقة و الاعتراف بالاخر و الاعتراف بالعيش كما يشاء.
الخلاصة المؤلمة التي لا يمكن تجنبها هي أن الجولاني فشل في بناء وحدة حقيقية قائمة على العدالة والتسامح، لكنه نجح بشكل مأساوي في تفتيت الشعب السوري إلى شظايا متنافرة. هذا التفتيت لن يؤدي إلى استقرار أو سلام، بل إلى حروب أهلية مستمرة وعداءات عميقة تنتقل للأجيال القادمة كعبء ثقيل لا يمكن تحمله.
الشعب السوري يستحق أفضل من هذا الكابوس الدائم، وحقه في الحياة الكريمة والادارة السلمية يجب أن يكون أولوية لكل القوى الحرة والنزيهة في سوريا و لكن الجولاني و الفكر الجهادي الارهابي الذي يقودة لا يفقه هذه البديهية و هو مستمر في زرع الشقاق و النفاق بين السوريين.


النص المنقح:
ليست المشكلة في استيلاء أحمد الجولاني على دمشق في 8 ديسمبر 2024، بل تكمن المشكلة في سيطرة الطاغية أردوغان على النظام السوري، آمِلًا في استعادة استعمار المنطقة التي كانت تحت سيطرة أحتلال السلطة العثمانية. وقد أعلنها أردوغان صراحةً بأن حلب “تركية عثمانية”، ونسِي الطاغية أن وجودهم في أرض الأناضول غير قانوني ويُعد احتلالًا.
لذلك، لا أمل في سوريا مستقرة، فهي مُقبلة على مرحلة أسوأ مما مرّ ويمرّ به العراق بعد سيطرة أمريكا والنظام الإيراني عليه منذ سنة 2003، وذلك للأسباب التالية:
١. المعارضة العلوية، المدعومة من إيران، ومن ميليشيات عراقية تابعة لها.
٢. المعارضة الدرزية، المدعومة من إسرائيل.
٣. المعارضة الكردية، المدعومة من الولايات المتحدة لمحاربة داعش.
٤. العشائر البدوية التي استولت على أراضٍ كردية وأراضٍ درزية بدعم من حكومات الأسد السابقة.
٥. وجود قواعد عسكرية وبحرية روسية في سوريا.
٦. وجود ميليشيات غير سورية لا يتحكم بهم الجولاني.
ان تقسيم سوريا بدأت فعلا وهي عمليا مقسمة الى خمسة دويلات، وستخسر دول الخليج كل استثماراتها في سوريا، لأن قوة السلاح اكبر من سلطة المال.
لاتثق بأي كلام ولا فعل يصدر عنه كل شيء مرهون بقوته وهو ليس لديه أقليات هو يؤمن بالحزب البعثي العربي الاشتراكي الصدامي وإلا سلام السعودي ولا شيء غير ذلك
** من ألأخر {١: ما ذكره الأخوين العزيزين أحمد موكرياني وحاجي علو هى نقاط في غاية الدقة والوضوح ، لذا نستطيع أن نقول رحم ألله دولة كانت تسمى ذات يوم بسوريا ، والسؤال ما إسمها القادم (صدقوني ليس جمهوري الجولاني الارهابية) لأنه مع مرشده الملا المزيف أردوغان سيكونان قريبا في خبر كانا مع دواعشهم لانهم عبرو كل الخطوط الحمر ، وسترون قريبا بدايات الفلم الهندي الغريب والعجيب في تركيا؟ ٣: صدقوني أكبر الخوازيق سيكون من نصيب دول الخليج وعلى رأسها السعودية راعية الارهاب الدولي التي خذلت ترامب والغرب ؟ ٤:نقطة مهمة يجب على قادة قسد الانتباه إليها تقضي بعدم تسليم سلاحهم تحت أي ظرف كان لعصابات الجولاني الذي تكشفت حقيقة دولته في مجازر السويداء؟ ٤: صدقوني لا دواعش أردوغان والجولاني سيرحمونكم ولا الغرب سينقذكم وإن فعل فبعد فوات ألاوان ، وصدقوني أكثر هنالك مباحثات سرية جارية تقضي بتصفية الجولاني وإيجاد بديل عنه من قادة الجيش السوري تدعمه كل الأطراف السورية والدولية (وصدقوني من يصبر كثيرا يضحك أخيرا ، ومن يضحك أخيرا يضحك كثيرا) سلام؟
من فمك إلى أذن الله