أي نظرة موضوعية دقيقة للواقع السياسي للصراعات السياسية لم نر أي صراع بين ما يسمى باليمين واليسار حسب مفهوم الخمسينات والستينات وحتى السبعينات من القرن الماضي ليس في العراق بل في كل البلدان العربية فتلك صفحة طويت وعدت من الماضي ولم يذكرها إلا الذين يعيشون خارج الزمن او على الهامش
الا إذا اعتبرنا الصراع بين المسلمين أي الشيعة والوهابية فالشيعة تمثل اليسار والوهابية تمثل اليمين من الممكن ان نقول هناك يسار وهناك يمين ومن هذا المنطلق يمكننا ان نفهم اليمين واليسار ويمكننا تحليل الواقع وفهم حقيقة هذا الصراع وكيفية مسايرته والوقوف مع الطرف الذي يحقق رغباتنا ويكشف هوية وضعنا وتوجهنا الى اليمين او اليسار
فالصراع الوهابي الشيعي لم يبدا الآن بل بدأ منذ أيام الرسول حيث انقسم المسلمون الى قسمين الى ما يسمى في عصرنا الى يمين والى يسار وكانت كل جهة تنظر الى الإسلام وفق رؤيتها الخاصة وفق مصلحتها الخاصة ومستوى وعيها وعقلها فهناك مجموعة دخلت الإسلام لا عن وعي ولا عن قناعة بل أنزلت الإسلام الى مستواها وطبعته بطابعها وفرضت طابعها وتحركت بفرضه على المسلمين بالقوة والتخلي عن الإسلام وقيمه الإنسانية الحضارية بقيادة آل سفيان التي سماها الرسول الكريم (الفئة الباغية) أي اليمين في مفهوم عصرنا وهناك من دخلت الإسلام عن وعي وقناعة وارتفعت الى مستوى الإسلام وتمسكت والتزمت بقيمه ومبادئه وسعت الى تنفيذه بكل قوة وإصرار ومهما كانت التضحيات والتحديات الفئة الإسلامية بقيادة الإمام علي التي سمتها الفئة الباغية بالشيعة أي اليسار في مفهوم عصرنا
فالخلاف او الصراع بين الطرفين ليس هذا يضم يديه وهذا يسبل يديه في الصلاة وليس هذا يغسل قدميه وهذا يمسحها في الوضوء هذه حالات خلقها الطغاة المستبدين الظالمين كي يحققوا مآربهم الخبيثة
من مبادئ الإسلام اي الشيعة أي اليسار الإسلامي
الظلم كفر الفقر كفر الجهل كفر كما إنه يأمر باختيار العادل الذي لا يؤمن بالإسلام على الظالم الذي يؤمن بالإسلام العدل أساس الملك تحدي الحكام الطغاة اللصوص والفاسدين رحمة للعالمين إقامة العدل وإزالة الظلم
طبعا هذه القيم والمبادئ لا ترضي الفئة الباغية أي اليمين الإسلامي بل تغضبها لهذا أعلنت الحرب عليها ومنذ ذلك الوقت وحتى عصرنا
لو عدنا الى ما يسمى باليسار واليمين حسب مفهوم عصرنا لأتضح لنا بشكل واضح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بهزيمة الفاشية والنازية وانتصار دول الحلفاء أمريكا والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا
وبعد ذلك بدأ صراع بين أمريكا ومن معها وأطلق عليه المعسكر الرأسمالي وبين الاتحاد السوفيتي ومن معه وأطلق عليه المعسكر الاشتراكي وكان صراعهما على حساب شعوب العالم التي سميت الشعوب النامية او العالم الثالث مما دفع بعض قيادات حكومات العالم الثالث الى تأسيس قطب ثالث مثل نهرو سوكارنو جمال عبد الناصر تيتو وأطلق عليه دول عدم الانحياز
وعند التدقيق في حقيقة قادة هذا القطب يتضح لنا إنهم مجموعة من المستبدين الغير شرعيين هدفهم فرض حكمهم على شعوبهم والبقاء في الحكم لهذا ترى لهم قدم في المعسكر الرأسمالي وقدم آخر في المعسكر الاشتراكي وبالتالي لم تستفد منه شعوب العالم الثالث منذ ولادته حتى موته الا قادت هذا الحلف
وبعد انهيار ما سمي بالمعسكر الاشتراكي بقي العالم تحت رحمة المعسكر الرأسمالي التي تقوده الولايات المتحدة فالحكم لها وحدها هي التي تحكم على هذه الدولة هذه المنظمة إرهابية مارقة وتعلن الحرب عليها وهي التي تنزهها وتطهرها من كل ذلك حسب رغبة رب البيت الأبيض وتقوم بحمايتها والدفاع عنها
هنا بدأت الصحوة النهضة الإسلامية وبدأ نورها يبدد ظلام الوهابية ومن قبلها ظلام الفئة الباغية وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران وهكذا أصبحت الجمهورية الإسلامية مركز استقطاب جديد حتى أصبحت قطب إخر معسكر في مواجهة المعسكر الرأسمالي الأمريكي
ومن الطبيعي أنقسم العراقيون المسلمون العرب الى قسمين قسم أنضم الى أمريكا وحلفها وقسم أنضم الى الجمهورية الإسلامية حلفها
الغريب في الأمر ان ما تبقى مما كانوا يطلقوا على أنفسهم عبارة العلمانيين المدنيين الليبراليين وحتى اليساريين وغيرهم من دعاة التجديد والتغيير وقفوا الى جانب أمريكا الى جانب بقرها وكلابها مثل آل سعود وكلابها القاعدة وداعش وعبيد وجحوش صدام وجعلوا من أنفسهم أبواق رخيصة في خدمة أعداء الحياة والإنسان وهكذا انتهى وتلاشى ما كان يسمى العلمانيين والمدنيين وحتى اليساريين في الخمسينات وما قبلها وفي الستينات وبداية السبعينات ولم يبق منهم شي يذكر
من المؤلم والمؤسف أصبح هؤلاء أبواق رخيصة وأغطية تغطي جرائم وموبقات البعث الطائفي والعنصري والدفاع عن أمريكا وبقرها آل سعود وكلابها داعش والقاعدة تحت أسم العلمانية والمدنية وحتى اليسارية وحقوق الإنسان وحرية الرأي
ومن هذا يمكننا القول لا يوجد يسار ويمين في العراق حسب تصنيف الخمسينات والستينات وحتى منتصف السبعينات بل يوجد يسار ويمين حسب تصنيف الصحوة الإسلامية
مهدي المولى

