اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول ومهارة ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الألعاب والأنشطة القتالية. وكما هو معروف ، فقد ساعدتهم عوامل طبيعية متنوّعة في جغرافية كوردستان، من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات كثيفة وأراضٍ زراعية وبساتين مثمرة، فضلًا عن بيئة مناخية مناسبة تتسم بالأمطار والثلوج والبرد القارس والحر المعتدل. وقد أسهمت هذه العوامل في بناء قدرات بدنية عالية وأجسام قوية، مكّنتهم من مقاومة الظروف الطبيعية القاسية تارة، والدفاع عن النفس والأرض ضد الأعداء والغزاة تارة أخرى
وكانت الفروسية عاملًا مهمًا في بناء صفات بدنية ونفسية لدى الكورد ، كالجرأة والشجاعة والصلابة والصبر والقدرة القتالية ، وغيرها من الصفات الحميدة
ويُذكر أن أسلاف الكورد من الكاشيين والخوريين والهكسوس كانوا من أوائل من أدخلوا استخدام الخيول والعربات الحربية إلى غرب آسيا منذ أوائل الألف الثاني قبل الميلاد. وقد أولى الكاشيون عناية فائقة بتربية الخيل، حتى أصبحت الخيول في عهدهم تُصدَّر من بلاد النهرين (ميزوبوتاميا) إلى مصر، وكانوا يتخذون من الجواد والشمس رمزين مقدّسين لهم
وامتاز جيش الإمبراطورية الخورية بسلاح المركبات وسلاح الفرسان، وكانت القيادة بأيدي طبقة أرستقراطية من النبلاء الفرسان المحاربين الذين تميّزوا بإجادة استخدام الخيول والعربات الحربية، وكان الفارس يُقترن بمعاني الجوالة والبسالة والبطولة
وفي زمن الميديين، وحين وحّد ملوك ميديا الكورد ثقافيًا وجغرافيًا وسياسيًا، ورثوا ثقافة الفروسية وتقاليدها منذ العهد الكاشي، فأسسوا قوة قتالية متطورة كان سلاح الفرسان هو قوتها الضاربة. وكانت الخيول تمثّل العماد الأكبر في حروبهم، بل القوة الأكثر فاعلية في حسم المعارك. وكانت ميديا غنيّة بأنواع الخيول الأصيلة، التي شكّلت ثروة اقتصادية مهمة لهم، واشتهر الجواد الميدي عالميًا آنذاك
ويذكر المؤرخ الروسي البروفيسور دياكونوف أن الخيول التي كانت تُربّى في أرض ميديا كانت مشهورة جدًا، وأن الآشوريين كانوا يأخذون بدل الضرائب والجزية خيولًا فقط. وبفضل سلاح الفرسان، استطاع الميديون مواجهة القوة العسكرية الآشورية المعروفة آنذاك بشدتها، وتمكّنوا من القضاء على إمبراطورية آشور وتحرير شعوب غرب آسيا من سيطرتها
وكانت سباقات الخيل، وما يُعرف اليوم برياضة الفروسية، معروفة منذ عهد الميديين (700 ق.م) ، ويُقال إنهم من أوائل من أدخلوا الخيول في المسابقات والحفلات والمهرجانات والأعياد ، وكانت تُقام مسابقات يشارك فيها فرسان الكورد الشجعان، يؤدّون خلالها أنواعًا من الألعاب والتمارين الصعبة والمعقدة والخطرة ، لا سيما أثناء الجري السريع على ظهور الخيل .
كان ركوب الخيل عند الكورد يعني الشجاعة والرجولة ، كما كان يرمز إلى الحرية والكفاح والثبات على القيم الإنسانية والنبل . ومن صفات الفارس الكوردي قدرته على عبور المخاطر بأعلى درجات الصلابة والفداء ، ولذلك احتلت الفروسية مكانة مرموقة في الحضارة الكوردية الميدية
وكان الفرسان يتوجهون إلى ساحات التحدي للتسابق بخيولهم ، ومن يجتاز المسافة المحددة أولًا يُلقّب بـ”الفارس”، كما يُمنح هذا اللقب لمن يؤدي المهمة بأحسن وجه ويعود إلى المكان المحدد بأقصى سرعة. وهناك أمثلة تاريخية كثيرة على شجاعة هذه الأمة وبطولاتها وتضحياتها في سبيل الدفاع عن النفس وعن أرضهم كوردستان
وكانت الفروسية مظهرًا اجتماعيًا ورمزًا لمكانة من يمارسها زمنًا طويلًا، كما عُدّت إحدى مميزات الشخصية الكوردية
ويقول المؤرخ الأرمني أبو فيان عن الفروسية لدى الكورد: إننا نستطيع أن نطلق على الكورد لقب “فرسان الشرق” بكل ما في هذه الكلمة من مدلول ، لما يتصفون به من استعداد دائم للقتال، واستقامة، وأدب، وإخلاص لأمرائهم، والتزام بكلامهم، وحسن ضيافة، واحترام للنساء، وتمسّك بالكرامة ، ورفض للخنوع والمذلة، والتحام القول بالفعل ، والترفّع عن الغدر والمكر والخداع
كما يذكر المؤرخ الروسي باسيل نيكيتين أن الكرد يُعدّون عمومًا فرسانًا مهرة ، وأن الرحالة الذين زاروا المناطق الكردية أشادوا بمآثرهم في الفروسية، خاصة في المناسبات كالأعياد والأعراس ، حيث كان الفتيان يتجمعون مع خيولهم لمباريات الفروسية ، ويحاول كل منهم إثبات أصالة فرسه والتفوّق على الآخرين
ومع تطور المجتمعات وانتشار الأندية الخاصة بالفروسية وزيادة عدد الإسطبلات والميادين، أصبحت الفروسية تُمارَس من قبل شريحة أوسع من الناس. ومنذ عام 1912 أُدرجت الفروسية ضمن الألعاب الأولمبية كرياضة تنافسية للرجال والنساء ، وتُمارس بأشكال متعددة مثل قفز الحواجز، والترويض ، وسباقات السرعة ، ولها أوسمة أولمبية (ذهبية وفضية وبرونزية) كسائر الألعاب
أما بالنسبة للكورد، فما تزال الخيول تُستخدم في مجالات متعددة، وتوجد إسطبلات كثيرة لدى العشائر الكوردية. غير أنه لا تزال تفتقر كوردستان، ولا سيما إقليم كوردستان ذي الحكم الذاتي، إلى أندية وميادين ذات مواصفات أولمبية
لذلك نأمل الاهتمام برياضة الفروسية نظرًا لما يتمتع به الإقليم من ظروف وإمكانات ملائمة ، لا سيما الأمن والاستقرار، ومن الضروري تأسيس أندية وإسطبلات وميادين تدريب ومسابقات بمواصفات دولية ، واقتراح إقامة بطولات تحت شعار “بطولة كوردستان للفروسية”، مع تشجيع الشباب والشابات على ممارسة الفروسية الأولمبية والتدرّب على جميع أنواع مسابقاتها ، تمهيدًا للمشاركة الدولية والأولمبية مستقبلًا
كما ينبغي تقديم الدعم المادي والمعنوي للفائزين الأوائل، وعلى الإعلام الكوردستاني، وخاصة القنوات التلفزيونية، أن يسهم في تشجيع الفروسية وتسليط الضوء على برامجها وأنشطته
المصادر و المراجع : 1 – تصحيح تاريخ الكورد المحرف و المسروق 4 / 3 / 2015 – فيسبوك 2 – باسيلي نيكيتين ” الكرد والكردستان ” مطبعة جامعة صلاح الدين 1998 اربيل 3 – احمد خليل ” دراسات في التاريخ الكردي القديم ( الحلقة 12) الفروسية في التراث الكوردستاني ” 24 / 5 / 2013 كلكلميش 4 – قاسم المندلاوي ” اهتمام قدماء الكورد بالمبارزة و الفروسية ” 22 / 7 /2007 جريدة التاخي – بغداد 5 – قاسم المندلاوي ” الثقافة البدنية في العراق قديما ” مجلة الشرق الجديد 1968 براغ 6 – قاسم المندلاوي ” الحركة الرياضية عند الاكراد ” مجلة العلم وتكنولوجيا 1970 براغ 7 – قاسم المندلاوي ” الثقافة الرياضية في ميزوبوتاميه ” 1970 وارشو – بولونيا 8 – خجاتور ابو فيان ” المؤلفات الكاملة ” 1958 يريفان 9 – الفروسية عند العرب .. بين ساحات القتال وميادين السباق 26 / 4 / 2016 الاصلاح . 10 – فروسية – ويكيبيديا – الموسوعة الحرة .

