حين يصمت الكورد… يتكلم الزمن باسمهم – بوتان زيباري

مرّ شهر على نارٍ اشتعلت في الجغرافيا ولم تهدأ في الوجدان، شهرٌ كانت فيه الأنظار تتجه نحو الكورد كما تتجه البوصلة نحو الشمال، لكن المفارقة أن الغياب كان أبلغ من الحضور، وأن الصمت كان أكثر ضجيجًا من المدافع. منذ اللحظة الأولى، امتلأت الشاشات بتحليلات تتنبأ بدخول الكورد الحرب، وكأنهم قدرٌ مؤجل لا بد أن يحضر، لكن الأيام كشفت أن الكورد لم يغيبوا، بل اختاروا أن يكونوا خارج الإيقاع المفروض، داخل حسابٍ أعمق من استعجال اللحظة.

لم يكن التراجع عن زجّ الكورد في أتون الحرب وليد ضعف، بل نتيجة وعيٍ بأن الفعل بلا رؤية يتحول إلى انتحار سياسي. لقد أدرك الكورد أن الدخول في حربٍ دون ضمانات استراتيجية، ودون تموضع واضح ضمن هندسة الصراع الكبرى، ليس إلا مقامرةً بمصير شعبٍ لا يملك ترف الخسارة. لذلك، لم يطلبوا سلاحًا بقدر ما طلبوا موقعًا في الخريطة، ولم يسعوا إلى وعودٍ عابرة بل إلى اعترافٍ يرسّخ وجودهم في معادلة ما بعد الحرب.

غير أن العالم، المثقل بصدمة ما يُسمّى بالربيع العربي، لم يعد يحتمل مشاريع التفكك، فالدول التي استعادت أنفاسها تخشى من أي شقٍ جديد في جدار السيادة. لذلك، لم تكن المخاوف من الدور الكوردي نابعة من قوته فحسب، بل من رمزيته كشرارة قد تعيد رسم خرائط الشرق الأوسط. هنا، اصطدمت الرغبة الكوردية في الحضور مع إرادة دولية تسعى إلى تثبيت الكيانات لا تفكيكها، إلى إعادة إنتاج الدولة لا إعادة تخيلها.

وفي قلب هذه المعادلة، لم يكن العامل التركي سوى صوتٍ من بين أصوات عديدة، مؤثرٌ لكنه ليس حاسمًا، فقرار القوى الكبرى لا يُختزل في اعتراض دولة، بل يُبنى على شبكة معقدة من الحسابات، حيث تتقاطع المخاوف مع المصالح، وتُوزن الخطوات بميزان الاستقرار لا العدالة.

أما داخل إيران، فإن الصورة أكثر تعقيدًا، فالمعارضة التي تبدو صاخبة في الخارج تعيش قطيعة عميقة مع الداخل، وكأنها صدى بلا صوت. الكورد، بحكم اتصالهم الجغرافي والاجتماعي، أكثر التصاقًا بالواقع، لكنهم أيضًا ليسوا قادرين وحدهم على ملء فراغٍ بحجم دولة. لذلك، يتحول كل خلاف بينهم وبين المعارضة إلى صدعٍ يكشف هشاشة البديل، ويُبقي النظام قائمًا لا لقوته، بل لغياب من يخلفه.

وفي العراق، يتجلى مشهد آخر، حيث يتعرض الكورد لضغوطٍ ليست بهدف إدخالهم الحرب، بل لمنعهم من استثمار ضعف خصومهم. فالصراع هنا ليس على الجبهات، بل على موازين القوة داخل الدولة، حيث تسعى الشبكات المرتبطة بإيران إلى إبقاء الكورد تحت سقف محدد، لا يتجاوزونه مهما تبدلت الظروف.

وسط هذا كله، يقف الكورد في موقعٍ فريد، يملكون ما لا يملكه غيرهم: زمنًا لا يسرقهم، وجغرافيا لا تحاصرهم، وهويةً تعبر الحدود ولا تعترف بها. إنهم يعرفون أن القوة ليست في التعجل، بل في اختيار اللحظة، وأن المعركة ليست فقط في الميدان، بل في تعريف شروط الدخول إليه.

لذلك، فإن صمتهم ليس حيادًا، وانتظارهم ليس ترددًا، بل هو شكلٌ من أشكال الفعل المؤجل، فعلٌ يدرك أن التاريخ لا يُصنع بالاندفاع، بل بالصبر الذي يعرف متى يتحول إلى قرار.

بوتان زيباري

السويد

31.03.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *