في كثير من المؤسسات العراقية، نلاحظ سلوكاً يتكرر بصورة لافتة: مسؤول يتزلف لمن هم أعلى منه، يبالغ في الثناء، يخفي الحقائق غير المريحة، وربما يلجأ إلى الكذب أو تجميل الواقع فقط لينال الرضا أو يتجنب الغضب. هذه الظاهرة ليست مجرد ضعف أخلاقي فردي، بل هي نتيجة تداخل عوامل نفسية وتنظيمية وثقافية.
ففي المكاتب الواسعة ذات الطاولات اللامعة، لا تُسمع الحقيقة دائماً. هناك لغة أخرى تُقال بصوت منخفض؛ لغة مليئة بالثناء المبالغ فيه، والابتسامات المصطنعة، والتقارير التي تُصاغ بعناية لتخفي ما يجب أن يُقال إنه مشهد مألوف: مسؤول يجلس أمام مسؤول أعلى منه، يتحدث بلهجة الواثق، لكنه في داخله يحسب الكلمات كما يحسب التاجر أرباحه وخسائره. لا يقول ما يعتقد، بل ما يُرضي. لا يعرض الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يبدو.
وفي بيئة تُدار بالأمزجة لا بالأنظمة، يصبح الرضا الشخصي معيار البقاء. وأن كل مسؤول يدرك أن كلمة واحدة قد ترفعه أو تطيح به، فيتعلم بسرعة أن يقول ما يُحب الرئيس سماعه، لا ما يجب أن يُقال. فالتملق ليس سلوكاً عابراً في دهاليز الإدارة، بل مرضاً بنيوياً ينهش المؤسسات من الداخل. حين ترى مسؤولاً يبالغ في الثناء على رئيسه، ويجمل التقارير، ويخفي الإخفاقات، ويكذب باسم “اللباقة”، فأنت لا تشاهد شخصاً ضعيفاً فحسب، بل ترى نظاماً كاملاً يُكافئ النفاق ويعاقب الصدق.
من أخطر ما يرسّخ التملق أن تتحول العلاقة بين الرئيس والمرؤوس إلى علاقة ولاء شخصي. في الوقت الذي يجب أن تُبنى القرارات على لجان، ومحاضر رسمية، وتوثيق شفاف، لا على جلسات مغلقة.
لماذا يحدث هذا؟
يكمن الجذر الأول في هشاشة المنصب. ففي بعض البيئات ترتبط الترقية والعقوبة برضا المسؤول الأعلى، حيث يصبح المنصب لا تكليف بل امتياز، ولا مسؤولية بل غنيمة. وحين يتحول الموقع الإداري إلى مصدر نفوذ شخصي، يصبح الحفاظ عليه أولوية تتقدم على الصدق والكفاءة. ويصبح الخوف هو المحرك الأول: الخوف من الإبعاد، ومن التهميش، ومن فقدان الامتيازات. في هذه البيئة، يتراجع الصدق أمام غريزة البقاء، ويتصرف المسؤول كمن يسعى إلى حماية نفسه لا إلى خدمة المؤسسة.
فعندما يكون مصير المسؤول مرتبطاً برضا شخص واحد، يصبح هذا الرضا بوصلته الوحيدة. وهنا تبدأ المأساة؛ وتتحول الإدارة إلى علاقة عاطفية مشوهة بين الأعلى والأدنى، لا إلى علاقة مهنية تحكمها معايير واضحة.
المسؤول الذي يخاف، لا ينقل المشكلة كما هي، بل يخففها. لا يعترف بالفشل، بل يبرره. لا ينتقد القرار، بل يمدحه. لأنه يرى في الحقيقة خطراً، وفي العراق، وتحديداً في المؤسسات التي تُقدَّس فيها السلطة ويُجرَّم فيها الاختلاف، يصبح التملق مهارة بحد ذاته. العبارات الرنانة تحل محل الأرقام، والثناء يحل محل التقويم الموضوعي. ومع الزمن، لا يعود التملق سلوكاً فردياً، بل يتحول إلى ثقافة عامة. من يرفضه يبدو شاذاً عن القاعدة، وربما ساذجاً في نظر الآخرين.
في المؤسسات التي تُبنى على هرم سلطوي صارم، حيث القرار مركزي، والنقد يُفهم كتمرد، ينشأ مناخ يشجع التملق. فكلما كانت المسافة بين القمة والقاعدة كبيرة، وكلما قلّت المساءلة، ازداد الميل إلى إرضاء الأعلى بدل خدمة المصلحة العامة. هنا يتحول المنصب إلى علاقة شخصية لا مسؤولية مهنية.
بعض المسؤولين يفتقرون إلى الثقة بقدراتهم، فيعتقدون أن قوتهم مستمدة من رضا من فوقهم. فيبالغون في إظهار الولاء، ويتجنبون أي موقف قد يُفسَّر على أنه اختلاف أو اعتراض. الشخص الواثق يستطيع أن يقول: “هذا القرار يحتاج إلى مراجعة”، أما غير الواثق فيقول: “فكرة عظيمة” حتى لو كان مقتنعاً بعكس ذلك.
الطموح بحد ذاته ليس خطأ، لا بل مشروع ومطلوب. لكن حين يُختزل النجاح في الصعود بأي ثمن، تنفصل الوسيلة عن القيمة. وحين ينفصل عن القيم يتحول إلى انتهازية.
بعض المسؤولين لا يرون في التزلف تنازلاً أخلاقياً، بل استراتيجية ذكية. يبررون لأنفسهم الكذب بأنه “تكتيك”، ويبررون المجاملة المفرطة بأنها “لباقة سياسية”. غير أن الفرق كبير بين الدبلوماسية والكذب، وبين اللياقة والنفاق.
عندما لا توجد آليات واضحة لتقييم الأداء، يصبح الانطباع الشخصي هو المعيار. والانطباع يمكن التأثير فيه بالكلمات المعسولة والتقارير المجمّلة. أما في المؤسسات التي تعتمد على مؤشرات أداء واضحة وتقييم موضوعي، فإن التملق يفقد قيمته لأنه لا يغير النتائج.
أن قول الحقيقة يتطلب شجاعة، خاصة إذا كانت الحقيقة تتضمن اعترافاً بالخطأ أو نقداً لقرار سابق، لكن حين يُعاقب الصادق ويُكافأ المادح، تتشكل بيئة تدفع الناس إلى الكذب حفاظاً على مصالحهم. وعندما تُخفى المعلومات الحقيقية، يتخذ المسؤول الأعلى قرارات مبنية على صورة غير دقيقة.
التملق الإداري ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل هو انعكاس لبيئة تسمح به أو تشجعه. فالمؤسسة الصحية هي التي تجعل الصدق أأمن من الكذب، وتجعل الكفاءة أهم من المجاملة، وتجعل قول الحقيقة فضيلة لا مخاطرة.
إن التملق الإداري ليس مجرد ضعف أخلاقي، بل علامة على خلل أعمق في بنية المؤسسة وثقافتها. وحين تصبح الحقيقة مكلفة، يصبح الكذب رخيصاً. لكن المؤسسات التي تبنى على المجاملة لا تصمد طويلاً؛ لأنها، ببساطة، لا ترى نفسها كما هي.
الشجاعة ليست صفة فطرية فقط، بل مهارة تُدرّس في المدارس والمعاهد المهنية. وبرامج تدريب القيادات يجب أن تتضمن مهارات إدارة الخلاف، وقول الحقيقة بطريقة مهنية، وإدارة الضغوط دون انزلاق إلى الكذب.
المشكلة ليست في موظف يمدح رئيسه، بل في نظام يجعل المدح شرطاً للبقاء. وحين يصبح الصدق مخاطرة، يصبح الفساد خياراً عقلانياً. فالمؤسسات القوية لا تُبنى على الانحناء، بل على الاستقامة.
ولا تنهار بسبب النقد، بل بسبب الصمت.
ليس أخطر على أي مؤسسة من الفساد المالي، بل الفساد الصامت الذي يسبقه: فساد الكلمة. وحين يتحول المسؤول إلى مروّج لرئيسه، ويصبح التقرير لوحة تجميل، وحين تُخفى الحقيقة خوفاً من إزعاج صاحب القرار- فاعلم أن المؤسسة دخلت مرحلة الانحدار، حتى لو بدت من الخارج مستقرة.
أن المسؤول الذي يتملق لا يفعل ذلك بدافع الأدب، بل بدافع الخوف أو الطموح الأعمى. فهو يعرف أن البقاء لا يعتمد على الإنجاز بقدر ما يعتمد على الرضا الشخصي. لذلك يتعلم بسرعة: قل ما يحب أن يسمعه، لا ما يجب أن يسمعه.
وهكذا، تتحول الإدارة إلى دائرة مغلقة من المجاملات. المدير الأعلى يسمع ما يعجبه، فيظن أن الأمور تسير بخير. والمسؤول الأدنى يخفي المشكلات، فيظن أنه يحمي نفسه. والنتيجة؟ قرارات تُبنى على وهم. إذن، المشكلة ليست في شخص يجامل، بل في بيئة تجعل المجاملة شرطاً للنجاة.
أما الثمن الذي تدفعه المؤسسة، فهو باهض: تتضخم الأخطاء الصغيرة لأنها لا تُكشف مبكراً، وتُقصى الكفاءات المستقلة لأنها “غير منسجمة”، ويسود منطق الولاء بدل منطق الإنجاز، وتتآكل الثقة حتى داخل الفريق الواحد. فالمؤسسة التي تُدار بالتصفيق، تتفاجأ يوماً بأنها بلا إنجاز حقيقي.
إن التملق الإداري ليس مجرد عادة سيئة، بل هو مؤشر خطر. فحين يفضّل المسؤول رضا رئيسه على مصلحة مؤسسته، فهو لا يحمي نفسه، بل يساهم في إضعاف الكيان الذي يعمل فيه. فالمؤسسات القوية لا تخشى الحقيقة، أما التي تخاف منها، فهي تعرف في أعماقها أنها بنيت على هشاشة.

