اللامركزية السياسية في سوريا :   سؤال الدولة لا مطلب المكوّن – بقلم : محمد ديب أحمد

لا يمكن تناول اللامركزية السياسية في سوريا بوصفها مطلباً خاصاً بمكوّن قومي ، ولا باعتبارها خلافاً سياسياً قابلاً للتأجيل أو الاحتواء ، بل باعتبارها سؤالاً تأسيسياً يتعلق بطبيعة الدولة السورية وحدود سلطتها ووظيفتها .
فالنقاش حول شكل الحكم لا يدور حول آليات إدارية أو صيغ تقنية ، بل حول ما إذا كانت سوريا تتجه نحو دولة دستورية تعترف بالتعدد وتوزّع السلطة أم نحو إعادة إنتاج نموذج مركزي أثبت تاريخياً عجزه عن إدارة المجتمع والدولة معاً .
إن اختزال اللامركزية في بعدها الإداري يعكس فهماً سياسياً قاصراً لطبيعة الأزمة السورية ، ويُبقي جوهر السلطة خارج أي مساءلة حقيقية . المسألة لا تتعلق بتفويض خدماتي للمناطق بل بتفكيك احتكار القرار السياسي والتشريعي ، وهو الاحتكار الذي شكّل العمود الفقري للدولة المركزية وأنتج سياسات الإقصاء ،
وعمّق الانقسام ، وقاد في النهاية إلى الانفجار .
من هنا ، فإن اللامركزية السياسية لا تُطرح كبديل عن الدولة ، بل كشرط لإعادة تعريفها .
بين الدولة المركزية والدولة الدستورية
من منظور دستوري ، لا تُقاس شرعية الأنظمة السياسية بقدرتها على فرض السيطرة ، بل بمدى اعترافها بالتعددية السياسية والقومية ، وضمان التوزيع العادل للسلطات ، وحماية حقوق الأفراد والجماعات دون تمييز .
 وفي هذا الإطار ، لا تمثّل اللامركزية السياسية خروجاً عن مفهوم الدولة بل أحد نماذجها الحديثة في المجتمعات المتعددة .
ونشير هنا أن الدولة السورية في بنيتها التاريخية ، لم تكن دولة قانون بقدر ما كانت دولة مركزية أمنية تماهت فيها السلطة التنفيذية مع الأجهزة القمعية ، واختُزل الدستور إلى أداة شكلية لتبرير احتكار القرار .
هذه البنية هي التي أنتجت سياسات الإقصاء والتهميش ، وأي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقيقة أو يحاول إعادة تدويرها بمصطلحات جديدة ، لا يؤسس لحل مستدام ، بل لأزمة مؤجلة .
تفكيك السرديات المُعاد تدويرها
الخطاب الذي ينكر شرعية المطالب الكردية أو يقلل من وزنها السياسي ، يعتمد غالباً على سرديات مبتورة تُقدَّم بوصفها حقائق ديمغرافية أو تاريخية ، مع تجاهل السياق القانوني والسياسي الذي أنتج هذه الوقائع .
القول إن الكرد أقلية في محافظة الحسكة مثلاً ، لا يمكن فصله عن سياسات الدولة نفسها ، بدءاً من المرسوم رقم /93/ لعام 1962 ، الذي جرّد عشرات الآلاف من الكرد من جنسيتهم ، وصولاً إلى مشاريع التعريب الممنهجة في منطقة الجزيرة .
وفق تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2005 ، بلغ عدد المجردين من الجنسية نحو 360 ألف شخص ، حُرموا من الحقوق المدنية الأساسية ، في خرق واضح لمبدأ المساواة أمام القانون ، وهو مبدأ دستوري في أي دولة حديثة .
 لم يكن هذا الإجراء استثناءً ، بل جزءاً من سياسة عامة هدفت إلى إعادة تعريف الانتماء الوطني وفق معايير قومية ضيقة ، ثم استخدام نتائجها لاحقاً كـ حجج سيادية .
الحزام العربي : سياسة دولة لا حدثاً عابراً
مشروع الحزام العربي الذي طُبّق في سبعينيات القرن الماضي ، لا يمكن توصيفه إلا بوصفه سياسة دولة ذات أهداف سياسية واضحة .
 فقد جرت مصادرة أراضي عائلات كردية ، وإسكان مجموعات من محافظات أخرى  في منطقة الجزيرة ، بعد نزع الأرض من أصحابها الأصليين .
النتيجة لم تكن خافية :
_ تغيير ديمغرافي منظّم ،
_ تحويل الكرد إلى أقلية في مناطقهم التاريخية ، في انتهاك صريح لحق الملكية ، ولمبدأ المساواة . رافقت هذه السياسات إجراءات قمعية أخرى ، شملت :
_  تقييد الهوية الثقافية ،
_ منع الأسماء الكردية ،
_ تجريم النشاط السياسي والثقافي ،
_  حالة طوارئ دائمة عطّلت مبدأ سيادة القانون . هذه الوقائع ليست مادة للذاكرة فحسب ، بل عناصر أساسية لفهم الخلل البنيوي في الدولة السورية .
اللامركزية السياسية كضمانة دستورية
من منظور قانوني–دستوري ، لا تُمنح الحقوق القومية أو السياسية بوصفها امتيازات ، بل تُقرّ باعتبارها حقوقاً أصيلة نابعة من مبدأ المواطنة المتساوية .
واللامركزية السياسية ، كما تُطرح اليوم ليست مشروعاً خاصاً بالكرد ، بل إطاراً دستورياً يضمن مشاركة حقيقية في السلطة ، ويحدّ من تغوّل المركز ، ويمنع عودة الاستبداد بصيغ مختلفة .
أما الإصرار على حصر اللامركزية في بعدها الإداري فقط فهو عملياً إبقاء على احتكار القرار السياسي والتشريعي ، وتحويل الإدارات المحلية إلى أدوات تنفيذ بلا سلطة .
 إدارة بلا صلاحيات سياسية حقيقية ليست شراكة في الحكم ، بل إعادة إنتاج للذهنية ذاتها التي قادت سوريا إلى أزمتها .
استمرارية الذهنية لا اختلاف المرجعيات
والإشكالية اليوم لا تكمن فقط في إرث النظام السابق بل في استمرار ذهنية سياسية ترى في الاعتراف بالتعدد تهديداً لوحدة الدولة .
قد تختلف المرجعيات الأيديولوجية ،
دينية كانت أم علمانية ، لكن الجوهر واحد :
مركز يحتكر القرار ، وهامش يُطلب منه الامتثال باسم الوحدة الوطنية .
ورفض الحقوق الكردية ، ثقافية كانت أم سياسية أم دستورية ، لا تستند إلى حجة قانونية بل إلى خوف موروث من تقاسم السلطة .
الخاتمة :
إن اللامركزية السياسية في سوريا ليست استجابة ظرفية ،
ولا تنازلاً تفاوضياً ، بل استحقاقاً دستورياً نابعاً من تجربة تاريخية طويلة مع دولة مركزية فشلت في إدارة التعدد ، وعجزت عن إنتاج شرعية مستدامة .
 وأي مشروع لسوريا المستقبل يتجاهل هذه الحقيقة أو يحاول القفز فوقها باسم السيادة أو الوحدةة ، إنما يعيد إنتاج شروط الأزمة لا معالجتها .
والدولة التي تُبنى على إنكار حقوق مكوناتها أو على إدارة التعدد بوصفه مشكلة أمنية ، لا تحمي وحدتها ، بل تضعها في حالة اختبار دائم . أما الدولة التي تعترف بتنوعها وتحوّله إلى إطار دستوري منظم لتقاسم السلطة والمسؤولية ، فهي وحدها القادرة على إنتاج استقرار سياسي حقيقي ومنع عودة الاستبداد ، مهما تغيّرت تسمياته أو مرجعياته .