لا الامريكان ولا سياسيي الشيعة ولا أي طرف اخر حتى الآن وضع خارطة طريق عملية لإنهاء ملف نزع سلاح الميليشيات.
تجنّب الجميع لوضع آلية منطقية لحلّ المشكلة لا يعني العجز التقني بقدر ما يكشف عن حالة تواطؤ سياسي صامت أو مصلحة مشتركة في بقاء الأزمة معلّقة. ويمكن فهم معناه على المستويات التالية:
أولًا: غياب الإرادة لا غياب الحلول
المشكلة لا تكمن في عدم وجود نماذج أو خبرات أو أدوات لمعالجة ملف السلاح خارج الدولة، فالتجارب الدولية والإقليمية وفّرت عشرات الأمثلة على نزع السلاح أو دمجه أو احتوائه ضمن أطر قانونية. غير أن تطبيق هذه الحلول يتطلّب إرادة سياسية حقيقية، واستعدادًا لتحمّل تبعات المواجهة مع القوى المسلحة. هذا الاستعداد غير متوفر، لأن كلفة الحل أعلى من كلفة المماطلة، ولأن اتخاذ قرار حاسم قد يهدّد مواقع نفوذ قائمة أو يفتح صراعات داخلية لا ترغب بها الطبقة السياسية.
ثانيًا: الخشية من كسر توازنات قائمة
السلاح خارج الدولة أصبح جزءًا من معادلة القوة، ولم يعد فقط ظاهرة طارئة، بل تحوّل إلى عنصر بنيوي في معادلة الحكم والتوازنات الطائفية والسياسية. أي آلية منطقية لنزع هذا السلاح ستعيد توزيع القوة داخل الدولة، وستغيّر قواعد اللعبة السياسية. لذلك تخشى الأطراف المختلفة أن يؤدّي الحل إلى فقدان امتيازات أو انهيار تحالفات أو تفجّر صراعات داخل البيت الواحد، وهو ما يجعل الحفاظ على الوضع القائم خيارًا “أكثر أمانًا” من منظورهم.
ثالثًا: الاستفادة من الغموض
ترك المشكلة دون آلية واضحة يسمح لكل طرف باستخدامها كورقة ضغط عند الحاجة، بدل حسمها نهائيًا.
غياب الآلية الواضحة يخلق مساحة رمادية تسمح لكل طرف بتفسير المشكلة وفق مصالحه. هذا الغموض يُستخدم كأداة سياسية، إذ يمكن استحضار ملف السلاح عند الحاجة للتصعيد، أو تجميده عند الرغبة في التهدئة. لو وُجدت آلية واضحة ومحددة، لفقدت الأطراف هذه الورقة، ولأصبح النقاش محكومًا بمعايير تنفيذ ومواعيد والتزامات لا يمكن الالتفاف عليها بسهولة.
رابعًا: الخوف من تحمّل المسؤولية
وضع آلية يعني الالتزام بها، والالتزام يعني المحاسبة عند الفشل، وهو ما يفضّل السياسيون تفاديه.
وضع آلية يعني الانتقال من الخطاب العام إلى الفعل، ومن الشعارات إلى القرارات. وهذا بدوره يفرض تحديد الجهة المسؤولة، والمرحلة الزمنية، وأدوات التنفيذ، وهو ما يفتح الباب للمحاسبة السياسية وربما القانونية عند الفشل. لذلك تفضّل معظم القوى البقاء في منطقة الكلام الفضفاض، حيث يمكن تبادل الاتهامات دون أن يتحمّل أحد مسؤولية مباشرة عن النتائج.
خامسًا: إدارة الأزمة بدل حلّها
التجنّب يعكس انتقالًا من منطق الحل إلى منطق “إدارة المشكلة” لإبقائها قابلة للتوظيف السياسي.
ما يحدث عمليًا هو اعتماد نهج “إدارة المشكلة” بدل حلّها جذريًا. تُتخذ إجراءات شكلية، وتُطلق تصريحات متناقضة، وتُستخدم التهدئة المؤقتة لتفادي الانفجار، دون معالجة أصل المشكلة. هذا النهج يسمح باستمرار النظام السياسي كما هو، حتى لو كان هشًا ومليئًا بالتناقضات، لأن حلّ المشكلة قد يفرض إعادة بناء النظام نفسه، وهو ما لا تريده القوى المستفيدة من الوضع الراهن.
الخلاصة
تجنّب الجميع صياغة آلية منطقية لا يعني أن الحل غير موجود، بل أن وجود الحل غير مرغوب فيه لدى الأطراف المؤثرة في هذه المرحلة.
لذلك فأن تجنّب هذه آلية لا يشكل سلوكًا عشوائيًا، بل هو خيار سياسي واعٍ، يعكس تلاقي مصالح متناقضة ظاهريًا لكنها متفقة ضمنيًا على إبقاء الأزمة مفتوحة، لأنها أقل خطرًا من حلّها.

