ما أقسى أن تكون الجغرافيا جسدًا تمزقه الخطوط الحمراء، وأن تكون الحدود ندوبًا على وجه التاريخ. ها هي حلب تئن تحت وطأة معارك لا تريد أن تنتهي، وكأنما الدم السوري قد تحول إلى حبر يرسم به الغزاة خرائطهم الباردة. كل شهيد يسقط في الأحياء الكوردية هو قصيدة حزن لم تكتمل، وصرخة تعلن أن الإنسان، هناك، لا يزال يُقاس بمقدار ما يمكن أن يُسكت من صوت. إنه المشهد ذاته يتكرر: دماء تُهراق ليس للانتصار، بل لتكريس الهيمنة، ولتأجيل ساعة الحساب. إنها لعبة كبرى، تُصَفّى فيها الحسابات على أرض لم تعد سوى رقعة شطرنج، تُحرك عليها القوى العظمى بيادقها من لحم ودم.
في هذا المسرح الدامي، تتشابك الأيادي الخفية: فاليد الأمريكية ترسم، والإسرائيلية توجّه، والتركية تنفذ. إنه “تنسيق” العتمة، حيث يتقاسم الطغاة الأدوار، ويُقسّمون الغنائم التي لم تُغْنَم بعد. فاجتماع باريس لم يكن إلا حلقة في سلسلة طوغة لتكريس الاختراق، ولترسيخ منطق الاحتلال تحت مسمّيات برّاقة. إن الإصبع الإسرائيلي يلوح خلف كل منعطف دموي، وخلف كل “انتصار” وهمي يُعلن. إنها عثمنة جديدة، تلبس ثوب التحرير وهي تحمل في أحشائها سمّ التقسيم والتمزيق.
أما السلطة القائمة، فهي ليست سوى واجهة وظيفية، تمشي على إيقاع المشغّل الخارجي. إنها لا تمثل إرادة الشعب، بل تمثل وصاية مقنعة، تشرعن الاحتلال وتكرس الانقسام. إن الحديث عن “جيش وطني” في ظل هذه السلطة هو محض وهم؛ فالجيش الحق هو الذي ينبثق من رحم الشعب بكل مكوناته، لا ذلك التجمع من الميليشيات والمرتزقة الذين لا يربطهم سوى طمع الغنيمة. إن القتل الوحشي في حلب هو محاولة يائسة لتصفية حسابات، ولتلميع وجه مليشياوي أسود تحت شمس الإعلام المزيفة.
لا تزال المعركة مستمرة، وإن خفت ضجيجها الإعلامي. فصعود بعض المقاتلين في الحافلات لا يعني نهاية المطاف، بل هو مجرد هدنة مؤقتة تُعدّ فيها الأسلحة للمرحلة التالية. إنها “راحة” مرهونة بإرادة الأسياد، الذين يشترون الوقت ويؤجلون الصراع من أجل “حل كبير” مؤقت، لا ينهي الحرب بل يجمدها ليوم آخر. إنهم يرسّمون حدود التقسيم بالنار والدم، ويجعلون من السوريين أرقامًا في معادلة لا يعرفون أسرارها.
في قلب هذا العاصف، يبرز سؤال المصير: إلى متى يبقى الشعب السوري رهين هذه الأجندات الخارجية؟ إن الطريق إلى الخلاص يبدأ بالاعتراف بالحقيقة المرة: فالسلطة الحالية هي جزء من المشكلة، وليس من الحل. كما أن الحلف الأمريكي والإسرائيلي ليسا سوى وجهين لعملة التدمير نفسها. إن مستقبل سوريا لن يكتبه سوى أبناؤها الأحرار، من كل مكوناتها، الذين يرفضون أن يكونوا بيادق في لعبة الآخرين. فالعمود الفقري لهذه الأمة المقاومة هو في وحدة أبنائها الشرفاء، وفي إرادتهم التي ترفض الانكسار.
لن يتوقف النزيف حتى تستعيد سوريا هويتها الموحدة، وحتى تتحرر الإرادة الوطنية من وصاية الغزاة وأدواتهم. إن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي قبل السلاح، ومعركة التوحد ضد محاولات التفكيك. فالشعب الذي يملك روح المقاومة في هويته، قادر على أن يصنع من جراحه درعًا، ومن أشلائه رايات تحرير. إن دماء الشهداء في حلب، وفي كل شبر من سوريا، هي بذور الحرية التي ستثمر ذات يوم، مهما طال الليل.
بوتان زيباري
السويد

