على ضوء ما تضمنه خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للأمة من ثنائية التلويح بعمل عسكري ساحق واحتمالية انتهاء الحرب، وما سبقه من استهداف إسرائيلي لرئيس المجلس الإستراتيجي الإيراني كمال خرازي، تثار تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان هذا الخطاب قد أزاح الغموض عن “اليوم التالي” للحرب، أم أنه زاد الأمور التباساً. لقد كشفت النقاشات التحليلية المعمقة للخبراء عن مشهد معقد تتداخل فيه الرؤى العسكرية والسياسية، حيث يقف العالم والمنطقة أمام تقاطع طرق خطير؛ فإما استمرار آلة الدمار أو الذهاب نحو مسار دبلوماسي يبدو محفوفاً بالعقبات في ظل تعنت الأطراف وانعدام الثقة.
الغموض والمأزق الإستراتيجي
اتسم خطاب ترمب بالغموض الشديد، وهو في جوهره امتداد لإستراتيجية أمريكية تعتمد هذا النهج ليمنح الرئيس مرونة عالية في تحديد الأهداف والتهرب منها وقتما يشاء، مما يعفيه من المطالبة بالمصداقية أمام ناخبيه أو حلفائه. الخطاب لم يجب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بالحرب: متى تنتهي؟ وما هو هدفها النهائي؟ وكيف ستنتهي؟ بل على العكس، أخذ الأمور إلى مسار تصعيدي بتجاهله التام للجهود الدبلوماسية وللمبادرات التي قُدمت.
هذا الغموض ليس إلا تعبيراً عن “مأزق إستراتيجي” يعيشه الرئيس الأمريكي وإدارته؛ فقد اندفعوا إلى هذه الحرب بناءً على تقديرات وتصورات إسرائيلية بأنها ستكون خاطفة وتستغرق ثلاثة أيام فقط، ليجد ترمب نفسه غارقاً في أسبوعها الخامس دون رؤية واضحة للخروج. وعندما يغيب الأفق السياسي، يبقى الخيار العسكري هو الأوحد المتاح على الطاولة. وقد بدا خطاب ترمب وكأنه صادر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مستخدماً نفس المصطلحات والسردية والتأطير للصراع، والذي يرتكز على فكرة واحدة: تدمير إيران عسكرياً ثم الخروج، وهو ما يعكس تخبطاً كبيراً وعدم تصور واضح لأمد وتحديات هذه الحرب.
إلى جانب ذلك، تجاهل ترمب في خطابه مصالح حلفائه وشركائه الإستراتيجيين في المنطقة، ولم يعر أي اهتمام للأضرار الاقتصادية والمخاطر الأمنية التي لحقت بهم على مدار أسابيع من الصراع، مما يعكس حالة من الإفلاس السياسي في التعامل مع المشهد الإقليمي ككل.
الاستعلاء الثقافي والتهديد باستهداف البنية التحتية
من أخطر ما تضمنه الخطاب هو البعد الثقافي واللغة الكولونيالية الفجة التي استخدمها ترمب، وتحديداً تهديده بـ”إعادة إيران إلى العصر الحجري، وإلى حيث ينتمون”. هذه اللغة لا تعكس فقط نظرة استعلائية وتمييزاً عنصرياً، بل تؤسس لتراتبية حضارية وأخلاقية خطيرة، تعيد للأذهان لغة التهديد الأمريكية المعتادة إبان حرب الخليج عام 1991 بإعادة الخصوم إلى ما قبل عصر الصناعة.
المشكلة في هذه الخطابات لا تكمن فقط في الإهانة الثقافية، بل في كونها تمهد لتبرير وتأطير جرائم حرب. فاستهداف البنى التحتية المدنية مثل المدارس، ومحطات تحلية المياه، ومحطات الكهرباء، والجسور ليس مجرد ممارسة للضغط السياسي، بل هو انتهاك صارخ للقانون الدولي. إن لجوء الإدارة الأمريكية للتلويح بضرب المرافق المدنية يعكس غياب الخطط الجاهزة للتعامل مع التحديات الفعلية (مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية). ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن استهداف المدنيين لن يجبر الشعب أو القيادة على الاستسلام، بل يعزز من قناعتهم بضرورة الصمود في وجه قوة تسعى لفرض إملاءاتها السياسية بقوة النار..
ويطرح هذا الرأي أن إيران لم تخدم نفسها ولا جيرانها بسلوكياتها وتلويحها المستمر بإغلاق ممرات ملاحية دولية حيوية كمضيق هرمز، فإنه يصبح من الصعب عليها أن تلعب دور الضحية. دول المنطقة تجد نفسها اليوم عالقة بين مطرقة التهديدات الإسرائيلية بتشكيل شرق أوسط جديد يهيمنون عليه، وسندان المشروع الإيراني التوسعي الذي يهدد أمن الكيان بشكل مباشر، مما يستدعي موقفاً حازماً للردع.
البرنامج النووي:هل هناك تغيير في الأهداف أم تبدل في المواقف؟
من الملاحظ بشدة أن الأهداف المعلنة للحرب الأمريكية تتغير باستمرار كنوع من تغيير الرواية. ففي بداية الحملة، كان الخطر النووي الإيراني هو المبرر الرئيسي، ليتجه الحديث لاحقاً إلى تغيير النظام الحاكم، ثم تقزّم إلى فتح مضيق هرمز. وفي خطابه الأخير، تحدث ترمب بتعالٍ عن “دفن اليورانيوم المخصب” وادعى مراقبته بالأقمار الصناعية، مما يوحي بأن الهدف العسكري المتعلق بالنووي قد تم التخلي عنه أو تهميشه.
هذا التبدل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول النوايا الحقيقية للحرب. يرى بعض الخبراء أن هذه الحرب لم تُشن من الأساس لتفكيك البرنامج النووي، بل من أجل إحداث تغيير جيوسياسي جذري في الشرق الأوسط يخدم بالدرجة الأولى الموقع الإستراتيجي لإسرائيل. الدليل القاطع على ذلك هو التطابق التام بين خطابات ترمب ونتنياهو؛ فكلاهما صرح بأن القدرات النووية الإيرانية دُمرت، ومع ذلك، لا تزال آلة الحرب مستمرة. وفي غياب خطة واضحة من البنتاغون لاستخراج أو تأمين المواد النووية بعمليات إنزال برية ذات كلفة بشرية باهظة، تستمر استراتيجية قصف البنية التحتية كبديل لتصعيد الضغط.
اغتيال كمال خرازي وإجهاض الدبلوماسية
وسط هذا المشهد الدامي والمعقد، جاء اغتيال الدكتور كمال خرازي، رئيس المجلس الإستراتيجي الإيراني والمسؤول الرفيع، ليضيف طبقة جديدة من التصعيد. هذا الاغتيال المبرمج لم يكن عملاً أمنياً بحتاً، بل كان فعلاً سياسياً بامتياز، استهدف شخصية انخرطت في نهج تفاوضي ووساطة لمحاولة إيجاد مخرج دبلوماسي للحرب مع واشنطن.
تشير التحليلات بشكل لا لبس فيه إلى تورط إسرائيل، التي تمتلك مصلحة عليا في تدمير أي مسار تفاوضي ينهي الأزمة. كما أن استراتيجية الكيان تقتضي استمرار الحرب لتفريغ النظام الإيراني من كوادره البشرية والاقتصادية، وإبقائه دولة هشة ومستنزفة وهذا ما تراه سياسة نتنياهو ،ولكن ماذا عن إيران!
إلى أين تتجه الحرب؟
مع فشل الوساطات وتصاعد وتيرة الاغتيالات واستهداف البنى التحتية بشكل متزايد، يبدو أن الحرب قد بدأت تفقد آخر آليات احتوائها الممكنة. هناك أزمة كبرياء عميقة بين الطرفين؛ فإيران ترفض إظهار أي ضعف وتأبى القبول بشروط تُفرض عليها تحت وقع النار، والولايات المتحدة لا تريد الخروج من حرب مدمرة ومكلفة دون إعلان انتصار يمكن تسويقه للمواطن والأسواق.
المسار الحالي يتجه بلا شك نحو المزيد من التصعيد. الإدارة الأمريكية تعيش حالة من التيه الإستراتيجي بخصوص أهدافها النهائية والخطوات اللاحقة، بينما تستغل القيادة الإسرائيلية هذه الفوضى لتدمير وتفكيك ما يمكن تدميره داخل إيران. وبين هذا وذاك، تدفع المنطقة بأسرها ثمناً باهظاً من الاستقرار والأمن والاقتصاد في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لوقف دوامة العنف تلك

