بعد معركة غزة الأخيرة وعقب الغرور الشيعي الصاروخي على اسرائيل، أسرعت امريكا، بريطانيا واسرائيل بإيجاد خطة تكسر ذلك الغرور وتخلخل النفوذ الشيعي، تاركين أهمية التوازن السني والشيعي التقليدي في المنطقة عرض الحائط، فوقع اختيارهم بهذا الصدد على ضرورة اسقاط النظام البعثي العنصري السوري، بعد أن لمحوا لروسيا سابقا منذ ٢٠١٣ بأفضلية الحفاظ عليه لأن البديل سيكون اسلامويا سياسيا متطرفا.
هنا، أجروا التفاهم مع روسيا ثانية برفع الغطاء عنه بموجب صفقات معينة وبدؤوا بعجالة فائقة بالعمل على ايجاد قوى ميدانية لدفعها نحو دمشق. فهم كانوا يعلمون مسبقا وفق دراساتهم وتجاربهم السابقة بأن النخب والساسة الشرق الأوسط يتحاشون كثيرا جدا العمل الشاق الخطر على الساحة سوى البعض منهم فقط ينتقد عن بعد، بينما النخب الغربية هي تحب الحياة ومعناها أكثر بكثير من هؤلاء، ولكنهم بنفس الوئت من أجل الحريات ومصالحهم فهم يضحون بالغالي والرخيص.
في هذا السياق يقال بأنهم تحاوروا مع قسد العلمانية المضحية لدفعها الى الشام، لكن منهم من يقول، بأن سذاجة سياسة بعض كورد قسد رفضت العرض، ومنهم من يذكر كون قسد متحالفة مع الغرب وكذلك باعتبار الكثير من السنة غير راضين عن قسد، فإن المسلمين كانوا سيعتبرون أن هذا الغرب قد أسقط النظام كما حدث في أفغانستان والعراق سابقا وبالتالي امكانية حدوث صعوبات كبيرة ايضا.
إزاء ذلك كله اضطرت بريطانيا، أمريكا واسرائيل الى الخيار المر: وهو لجؤوهم الى مجموعات هيئة تحرير الشام المصنفة لديهم في قوائم الارهاب، واستمالتها البسيطة بنوع من الامتيازات الخاصة السلطوية رغم مبادئها الاسلاموية المزعومة، ودفعها بالمسير نحو دمشق لاستلام السلطة هناك وسوف تمتد سلطتها طويلا جدا إلا إذا ما أراد الغرب مخرجا ما، لأنه كما ذكرت النخب السورية المتمدنة هي غير مستعدة لتنظيم الجماهير وتعبئتها على الساحة من أجل تغيير ديموقراطي معين.
وفي هذا المجال تقريبا، اضطر الغرب في مكافحته لارهاب داعش منذ ٢٠١٤ باللجوء الى ضم مقاتلي كورد لاحقا قسد الى تحالفه رغم سذاجة وبدائية سياسة بعض مسؤوليها وذلك لكون النخب والساسة الكورد الاكثر ثقافة وسياسة ونضجا غير مهيئين ومستعدين/كالسوريين/ للأعمال الشاقة الخطرة، وبالتالي تركت الساحة لهشاشة وتصورات كورد قسد الفوق القومية الخيالية رغم أن عقليتهم البسيطة قاصرة على فهم ذلك التصور، هكذا الى الكارثة الأخيرة والاتفاق المشؤوم مع الدعدوش ولترجع روزآفا كوردستان الى نقطة الصفر، وذلك على أنقاض آمالنا المسبقة على حكم ذاتي معين هناك.
وفي هذا الإطار ايضا، والكثير يعلم بوجود الفساد الكبير والنهب والغرور والبذخ والتسلط العائلي الواضح لمتنفذي ب.د.ك و ي.ن.ك وعجيانهم منذ عقود عديدة في باشور كوردستان دون رقيب وحسيب وكأنه لا ينوجد شعب كوردي هناك وهم بعد تحت رحمة بغداد وتهديدات السلطات الغاصبة الأخرى، والكورد بعد في بدايات مرحلة التحرر القومي، ورغم ذلك كله لا تتوفر ارادة جدية لنخب وساسة الكورد المتمكنين للقيام بعمل مضني وذلك بتنظيم وتعبئة الجماهير الكوردية الجنوبية للانتفاض ضد تلك الاوبئة ولاحداث تغيير ديموقراطي يحقق المشاركة والعدالة الاجتماعية نسبيا، حيث إن خطر تفشي تلك الأوبئة قد خفف الاندفاع الكفاحي الكوردي أيضا، وهذا ما تعلمه بغداد والسلطات الاخرى معا، فهي تنتظر فرصة اغفال الغرب عن حماية الاقليم يوما، حتى ترتكب كما حدث في اكتوبر ٢٠١٧، خصوصا وإن هاكان فيدان دعا مؤخرا سلطة بغداد الى تطبيق النموزج السوري المأسوي في العراق ايضا بخصوص التعامل مع الكورد هناك.
وهكذا، بخصوص مساهمة عدد محدود جدا من النخب والساسة الكورد المكتفين ثقافة وسياسة ودبلوماسية في تنظيمات PKK الجارية في مصب الانحلال وفي الأطراف الكوردستانية الايرانية أيضا.
لذلك كله، يكاد من المستحيل أن نتئرب الى المبتغى التحرري المشروع دون مساهمة فعالة أكثر من نخبنا وأكاديميينا في الكفاح التحرري القومي والاقتصادي والاجتماعي، حيث إن مصيبتنا كبيرة وصعبة ومعقدة جدا وخاصة في ظل الظروف الراهنة بوجود تشابك علاقات ومصالح أقليمية ودولية معقدة للغاية والتوجه الغربي الحالي نحو براغماتية مغالية مخيفة، فهي بحاجة ماسة الى فكر سليم وارادة قوية نظريا دبلوماسية وعمليا.

