أصلحیة “نموذج روژئاڤا”- د. عبدالباقي مایی

 

٢٣\٧\٢٠٢٥

مهما طغت الحروب والنشاطات العسكرية والسیاسیة علی تطور الأحداث ظاهریا لكونها تسبب التغيرات الفوقية فی المجتمع، لابد للتفاعلات والنشاطات والحركات الفردية تأثيرها الأساسي الفعال علی بناء الأسس والقواعد المبدئية للتغيرات علی مستوى القاعدة إبتداء” من تكوین شخصیة الفرد ومعتقداته فی العمل علی تحريك العواطف والأفكار لتوليد السلوكيات المختلفة للفرد اللذي له الدور الأساسي فی التنظيم والتخطيط والعمل فی تكوین المنظمات والأحزاب والهیئات المختلفة التی تكون المؤسسات فی إدارة المجتمع وتطویره. لذلك تصبح التغيرات الفوقية فی قیادة المجتمع من حروب أو انقلابات عسكرية أو عمليات سیاسیة بطریق الإنتخابات أو التحالفات بین الطوائف والعشائر والشرائح المختلفة للمجتمع تكون دائما قصيرة الأمد وقابلة للإنهيار إن لم تكن مبنية علی إستعداد للتغییر فی تنظيم و تخطيط وتنفيذ جماهیری مسبق إعتمادا علی تربية الأفراد علی القیم والمبادئ التی تشكل تلك الهياكل والتنظيمات قبل تفعیلها أو إنطلاقها. هذا ما كان التحليل السیاسی المتزايد فی المیدیا وقنوات التلفزة وغيرها من وسائل الإعلام فی الآونة الأخيرة يفتقد إلیها، لولا بصيص الأمل الذی یظهر تدریجیا علی بعض من التحليلات السیاسیة الناشئة والمبدعة وهی تخرج من نطاق الأحزاب وتعمل خارج الإطار السیاسی الكلاسیكی لتكون قابلة للتغییر والتجديد، وهم أهل لذلك.

بعد شهر من إنطلاق ثورة الشباب فی كوردستان العراق فی ١٧ شباط سنة  ٢٠١١ ، إنسجاما” مع الثورات المشابهة فی الدول العربية والتي سمیت “بالربيع العربي” آنذاك، قمت فی ١٩ آذار سنة ٢٠١١  بزیارة میدانیة لساحة السرای “سرای ئازادی” فی مدينة السلیمانیة  التی كانت الساحة الأولی لإلتقاء الشباب المتظاهرین، فوجدت الشباب قد بدأو بالتراجع تاركين الساحة للرجال المسنين من الأجيال السابقة لهم لإلقاء خطاباتهم السیاسیة علی النمط الكلاسیكی تعبیرا عن الصراع السیاسی بین الأحزاب السیاسیة حينذاك. فكتبت فی حينها مقالتی الأولی حول ثورة الشباب التی نشرت فی جريدة هاولاتی بتأريخ ٤\٤\٢٠١١ . عرضت فيها سردا للأحداث التی أدت إلی المظاهرات العفوية من قبل الشباب الواعي للمطالبة بحقوقهم من حریة الرأي إلی حق العمل والدراسة وغيرها من الحقوق الشخصية للفرد فی المجتمع. وبعد ذلك ظهر جليا ما تعرض له الشباب من تلفيقات وإتهامات مجحفة. الأمر الذی أدی إلی نكسة مؤقتة للثورة سرعان ما توسعت بشكلها السلمي لتدل علی أصالتها ونضوجها واستمرارها رغم النكسات والتهجمات والاعتداءات المتكررة فأصبحت بداية لتطور سليم فی المجتمع، كما نشرت فی صوت كوردستان بتأريخ ٦ آذار سنة ٢٠١١ . ففي ثورة الشباب صراع واضح بین الأجیال بإلإضافة الى كونھا حركة اصلاحیة سلمیة و مسالمة و سالمة یجب على الكبار والمسنین الالتفاف حولھا لدعمھا وتأییدھا لا لمحاولة تسییسھا أو تغییر مسیرتھا.

وفق ما ذكرناه أعلاه تبين لنا بأن المجتمع الكوردستانی یمر فی تطور سريع غیر متناسق فی أقلیم كوردستان العراق الذی تكون نتيجة لتدخل القوات الأجنبية لحماية مصالحها لیس إلا. ظهر عدم التناسق بوضوح متزايد فی إستيراد الموارد والمواد والمصطلحات من الخارج وإهمال الإمكانيات المحلية أو تهميشها مما أدی إلی تطور مادی سريع وتراجع القیم الأخلاقیة القديمة دون توفیر بدائل معاصرة، و وتزايد الفرق الطبقي بإغناء الطبقة الموالية للسلطة وتهميش الغير موالين أو الناقدين للسلطة، و تسرب متزايد لهجمات الحرب النفسية و عمليات غسل الدماغ الكوردی، و إنتشار الفساد الذی عرفناه بمرض نفسإجتماعی معد فی المجتمع . بالتزامن مع قيام أقلیم كوردستان العراق بدأت الإدارة الذاتية فی غرب كوردستان “روژئاڤا” فی تكوین نموذجها المتميز فی شمال وشمال شرق سوریا وذلك بإقامة نظام إداری خاص فی مناطق نفوذها یتمیز بالتعددية والمساواة واللامركزیة و مشاركة الجنسين فی القيادة الإدارية والعسكرية وكذلك بتفضیل الطاقات المحلية علی العروض الأجنبية فی كافة المجالات،  هذا ما جعل هذا النموذج يستحق لقب “عابر الأزمات” الذی یستمر من نصر إلی نصر لیس فقط فی تفانيه فی التضحية والفداء بل حتی فی التحرك الدبلوماسي كما یظهر جليا فی الأحداث الراهنة فی سوریا وذلك بسبب إعتماده كلیا علی إرادة الشعب و حب الوطن. كل ذلك یمكن تفسيره علمیا بأن نموذج روژئاڤا هو الأصلح حسب نظریة داروین  لیس فقط لسوريا بل لمجتمعات الشرق الأوسط قاطبة.