نهب النفط في تونس: بين فخاخ الاتفاقيات التاريخية وغياب السيادة الرقابية ​بقلم: الناصر خشيني.         

 

​تتصدر قضية الثروات الطبيعية، وخاصة النفط، المشهد السجالي في تونس اليوم، محملة بآلام الماضي وتطلعات السيادة الوطنية. إن الحديث عن “نهب النفط” ليس مجرد شعار شعبوي، بل هو ملف قانوني واقتصادي شائك يستوجب تفكيكاً عميقاً لمسارات استغلال هذه الثروة من قبل الشركات الأجنبية، بعيداً عن السطحية، وفي إطار منهجية تحليلية تربط بين التاريخ الاستعماري والواقع الرقابي المهترئ.

​أولاً: الثغرة التاريخية.. قانونية النهب

​إن لب المشكلة لا يكمن دائماً في “التهريب” بالمعنى التقليدي، بل في “النهب المقنن”. ما زالت تونس ترزح تحت وطأة اتفاقيات قديمة، يعود بعضها إلى فجر الاستقلال، منحت لشركات أجنبية امتيازات استخراجية بشروط مجحفة. هذه العقود، التي تم تمديدها في عهود سابقة بعيداً عن الشفافية، جعلت من الدولة التونسية طرفاً ضعيفاً في معادلة تقاسم الأرباح. إن غياب مراجعة شاملة لمجلة المحروقات بما يتلاءم مع الدستور الذي يقر سيادة الشعب على ثرواته، هو الفخ الأول الذي تسللت منه الشركات الأجنبية لتكريس هيمنتها.

​ثانياً: معضلة الرقابة والعدادات.. من يراقب من؟

​إن المنهجية الرقابية في قطاع الطاقة التونسي تعاني من فجوة تقنية خطيرة. فقد كشفت تقارير رقابية رسمية عن ضعف آليات التثبت من كميات النفط والغاز المستخرجة فعلياً من الآبار. إن اعتماد الدولة في أحيان كثيرة على تصاريح الشركات الأجنبية نفسها، في ظل نقص العدادات الذكية والرقابة اللحظية من قبل المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP)، يفتح باباً واسعاً للتشكيك. كيف يمكن لدولة تعاني عجزاً طاقياً هيكلياً أن تترك مفاصل الإنتاج تحت رحمة “الثقة” في تقارير الشريك الأجنبي؟

​ثالثاً: التبعية الاقتصادية وسؤال السيادة

​تتذرع الدوائر الرسمية دائماً بضعف الإمكانيات الفنية وكلفة التنقيب الباهظة لتبرير ارتهاننا للشركات العابرة للقارات. لكن هذه التبعية أدت بمرور الزمن إلى تآكل السيادة الطاقية. إن الشركات الأجنبية (مثل إيني، وبيرينكو، وشل) تعمل وفق منطق الربح الأقصى، وفي ظل منظومة قانونية تونسية متهالكة، تتحول هذه الاستثمارات من رافد للتنمية إلى استنزاف ممنهج للموارد تحت غطاء “الاستثمار الأجنبي المباشر”.

​خاتمة:

​إن استرداد السيادة على النفط التونسي لا يمر عبر التصريحات الرنانة، بل عبر ثورة تشريعية تقطع مع “ميراث التبعية”، وتفرض رقابة تقنية صارمة ومستقلة على كل قطرة تخرج من باطن الأرض. إن كشف الحقيقة للجمهور التونسي حول العقود والكميات الحقيقية هو الخطوة الأولى لحماية ما تبقى من ثرواتنا من النهب المقنن.

​مراجع المقال:

​دائرة المحاسبات التونسية: التقارير السنوية (خاصة التقرير 27 والتقرير 31) المتعلقة بقطاع الطاقة والمحروقات.

​هيئة الحقيقة والكرامة: التقرير الختامي الشامل، الجزء المتعلق بالفساد والاستبداد الاقتصادي والاتفاقيات الاستخراجية.

​مجلة المحروقات التونسية: الصادرة بالقانون رقم 93 لسنة 1999، والنصوص المنقحة لها.

​المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP): التقارير الإحصائية السنوية لإنتاج الحقول النفطية (2024-2025).

​المرصد التونسي للاقتصاد: دراسات تحليلية حول الميزان الطاقي وعقود الاستخراج في تونس.

​مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI): التقارير الخاصة بمدى امتثال تونس لمعايير الشفافية الدولية.

الناصر خشيني نابل تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *