علاقة التملق بالفساد؛ تحليل نفسي اجتماعي- د. عبدالباقي مایی

 

التملق لیس مجرد كلامٍ معسول، بل وسيلة فعالة من وسائل نقل مرض الفساد، اللذی تم تشخيصه مۆخرا” كمرض نفسیإجتماعی شديد العدوى من الأعلى نحو الأسفل فی سلالم السلطة، لینتشر تدریجیا كوباء أو جانحة فتاكة بالفرد و المجتمع السلطوي المركزی الجماعی. ورغم أنه یُقدَّم فی الظاهر باعتباره نوعاً من الإطراء أو المجاملة، إلا أن التملق المنهجی یُمثّل فی كثیر من الأحیان البنیةَ التحتیة الناعمة التی یقوم علیها الفساد. و يُعدّ التملق ظاهرة اجتماعية قديمة، تتجلى في سلوك الأفراد الذين يسعون إلى كسب رضا أصحاب السلطة أو النفوذ من خلال المبالغة في المدح أو إخفاء الحقيقة. من هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة العلاقة بين التملق والفساد من منظور نفسي اجتماعي لفهم جذور هذه العلاقة وآلياتها وتأثيراتها.

يمكن الوقاية من مرض الفساد فی مرحلة التملق قبل تكوین الحالة المرضية لدی الفرد، كما تجد تفاصيل البحث باللغة الإنگلیزیة فی هذا ارابط. من الناحية النفسية یتمیز التملق بحاجات داخلية لدى الفرد، مثل الرغبة في القبول الاجتماعي، أو الخوف من الرفض، أو الطموح لتحقيق مكاسب شخصية. الأفراد الذين يمارسون التملق غالبًا ما يعانون من ضعف في تقدير الذات، أو من اعتماد مفرط على تقييم الآخرين لهم، مما يدفعهم إلى تبني سلوكيات غير صادقة لإرضاء من يملكون السلطة. كما يمكن أن يكون التملق وسيلة دفاعية لتجنب العقاب أو الخسارة، خاصة في البيئات التي تسود فيها الهرمية الصارمة أو التي تُعاقب على الصراحة والنقد. أما من الناحية الاجتماعية، فإن التملق لا ينشأ في فراغ، بل يتغذى من ثقافة تنظيمية أو مجتمعية تشجع على الطاعة العمياء وتثبط حرية التعبير. في مثل هذه البيئات، يُكافأ الأفراد الذين يجيدون التملق، بينما يُهمَّش أو يُعاقب أولئك الذين يلتزمون بالصدق والنزاهة. هذا النمط من التفاعل يخلق دائرة مغلقة تعزز السلوكيات غير الأخلاقية، حيث يصبح التملق أداة للترقي والحصول على الامتيازات، بدلًا من الكفاءة والاستحقاق.

تتجلى العلاقة بين التملق والفساد بوضوح عندما يؤدي التملق إلى تشويه عملية اتخاذ القرار فی مؤسسات الدولة. فالمسؤول الذي يُحاط بمُتملقين يفقد تدريجيًا القدرة على رؤية الواقع كما هو، إذ تصله معلومات مُجمّلة أو مُحرّفة تخدم مصالح المحيطين به. هذا الانفصال عن الواقع يُضعف جودة القرارات، ويفتح الباب أمام ممارسات فاسدة، مثل المحسوبية والمنسوبیة، وسوء استخدام السلطة، وتجاهل الكفاءات الحقيقية. وبمرور الوقت، يتحول التملق من سلوك فردي إلى ثقافة مؤسسية تُشرعن الفساد وتُطبع وجوده.

علاوة على ذلك، يساهم التملق في إضعاف آليات المساءلة والرقابة فی المجتمعات الجماعیة التی تربی الأطفال علی الخائات الثلاث (الخوف والخجل والخطیئة)، كما هو الحال فی كوردستان. فحين يسود الخوف من إغضاب أصحاب النفوذ، يتردد الأفراد في الإبلاغ عن الأخطاء أو الفساد، ويفضلون الصمت أو حتى التواطؤ. هذا الصمت الجماعي يُعدّ بيئة خصبة لنمو الفساد واستمراره، إذ تغيب الشفافية وتُقمع الأصوات الناقدة. كما أن التملق يعزز العلاقات الشخصية على حساب القواعد والقوانين، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات. وفي المقابل، كلما كانت المؤسسات أكثر ديمقراطية وشفافية، تراجعت الحاجة إلى التملق، وحلّ محله التواصل الصريح المبني على الاحترام المتبادل.

لمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من العمل على مستويين: الفردي والمؤسسي. على المستوى الفردي، يتطلب الأمر تعزيز قيم الصدق والاستقلالية فی تربية الطفل، وتنمية الثقة بالنفس بحيث لا يشعر الفرد بالحاجة إلى التملق لتحقيق أهدافه. أما على المستوى المؤسسي، فيجب بناء بيئات عمل تشجع على التعبير الحر، وتكافئ الكفاءة والنزاهة، وتفرض آليات واضحة للمساءلة. كما أن نشر الوعي حول مخاطر التملق والفساد يُعد خطوة أساسية في تغيير الثقافة السائدة وتعویضها بأدوات مكافحة و معالجة الفساد فی دوائر الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *