المنصب السيادي الغائب … التمثيل الكوردي في رئاسة الجمهورية بين الدور المفترض والواقع السياسي / د.سوزان ئاميدي

لم يفقد منصب رئاسة الجمهورية في العراق أهميته بسبب الدستور، بل بسبب الممارسة السياسية التي رافقته منذ 2005. فالدستور منح هذا الموقع صلاحيات واضحة ومؤثرة، لكن من شغله اختار طوعاً تقليصها، حتى ترسّخت لدى الشارع قناعة بأن المنصب رمزي، في حين أنه جُعِل كذلك بفعل الصمت والتنازل لا بحكم النصوص .
اليوم، ومع فتح باب الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية بشروط شبه مفتوحة، تعود الإشكالية إلى الواجهة من جديد:
هل المشكلة في كثرة المرشحين؟ أم في غياب المعايير السياسية الحقيقية لشغل موقع سيادي بهذا الحجم؟
الدستور العراقي يصف رئيس الجمهورية بأنه حامي الدستور، أي أن من واجبه الوقوف عند أي خرق دستوري والتنبيه إليه ورفض تحويله إلى أمر واقع. كما أن القوانين الصادرة من مجلس النواب لا تصبح نافذة إلا بعد مصادقته، وكان يمكنه إعادة أي تشريع يحمل خللاً دستورياً أو تمييزاً واضحاً بين المواطنين. كذلك يمتلك دوراً محورياً في لحظة تكليف رئيس الوزراء، ويمثل الدولة داخلياً وخارجياً، ويصادق على المعاهدات، ويملك صلاحية العفو الخاص. كل هذه الأدوات لم تكن رمزية، لكنها عُطِّلت بالممارسة.
هذا التعطيل انعكس بشكل مباشر على إقليم كوردستان. فخلال السنوات الماضية، تعرّض الإقليم إلى قصف متكرر بذرائع مختلفة، في انتهاك صريح للسيادة العراقية، من دون موقف رئاسي واضح يرقى إلى حجم الحدث. الصمت هنا لم يكن حياداً، بل تخلّياً عن موقع يفترض أنه يمثل الدولة بكل مكوناتها.
وفي ملف داخلي لا يقل حساسية، مرّت تشريعات منحت امتيازات واسعة لأهالي رفحة، في وقت حُرم فيه موظفو إقليم كوردستان من رواتبهم ومستحقاتهم، وتحولت حقوقهم الدستورية إلى مادة ابتزاز سياسي. كان يمكن لرئيس الجمهورية أن يعترض، أو يعيد القوانين، أو على الأقل يفتح نقاشاً وطنياً حول العدالة والمساواة، لكنه اختار الصمت، ما عمّق شعور الإقليم بالتهميش.
ولا يمكن فصل هذا الأداء عن طبيعة التوافق الحزبي الذي جاء برئيس الجمهورية. فالحزب الذي شغل المنصب ظلّ في صراع سياسي دائم مع الحزب الكوردي الأكبر في الإقليم، وهو صراع انعكس سلباً على قدرة الرئيس على تمثيل كوردستان كوحدة سياسية. وبدلاً من أن يكون الموقع جسراً جامعاً، أصبح محكوماً بحسابات حزبية ضيقة.
الأخطر أن هذا الحزب نسج توافقات واضحة مع أحزاب موالية لإيران داخل بغداد، ما جعل موقع رئاسة الجمهورية أقرب إلى جزء من محور سياسي منه إلى موقع سيادي مستقل. وبهذا، فقد المنصب أي تأثير فعلي في الخلافات بين بغداد وأربيل، سواء في ملفات الموازنة، النفط والغاز، أو حماية الإقليم من الضغوط الإقليمية.
اليوم، ومع إعادة فتح باب الترشيح، يبدو السؤال مشروعاً أكثر من أي وقت مضى:
هل سيُعاد إنتاج التجربة نفسها؟ أم أن هناك فرصة لمراجعة حقيقية؟
وهنا، لا بد من توجيه نصيحة سياسية للكورد:
ربما آن الأوان لترك منصب رئاسة الجمهورية للحزب الكوردي الأكبر في الإقليم، عسى أن يُستثمر الموقع هذه المرة بثقل سياسي أوسع، وتمثيل أكثر شمولاً، وقدرة أكبر على فرض حضور الإقليم داخل بغداد. فالتجربة أثبتت أن المنصب، حين يُدار بحسابات حزبية ضيقة وتوافقات خارجية، لا يخدم كوردستان، بل يضرها.
المنصب لا يُقوّى بالنصوص بل بمن يشغله… وكيف يشغله… ولصالح من.
إن لم تُستخلص الدروس من السنوات الماضية، فإن فتح باب الترشيح لن يكون سوى خطوة إجرائية جديدة، تُعيد إنتاج منصب ضعيف في دولة تحتاج إلى مواقع قوية، لا واجهات صامتة.

One Comment on “المنصب السيادي الغائب … التمثيل الكوردي في رئاسة الجمهورية بين الدور المفترض والواقع السياسي / د.سوزان ئاميدي”

  1. ** من ألأخر { ١: حتى نتمنى أن يبقى المنصب مجرد ديكور ، والكارثة أن لم يمنع الإجرام والفساد من التأمل في كل مفاصل الدولة بل صار هو جزء لأبل ومساوم فيه؟ ٢: يقولون ثور الافندية يقولون إحلبه ، يقولون عصابات أردوغان والجولاني تفتك بالكورد في الشيخ مقصود والاشرفية والافندية يقاتلون على منصب رئيس الجمهورية وياريته ذي قيمة وشرف ، سلام؟

Comments are closed.