في ظل الاضطرابات المتصاعدة في إيران، برزت دعوات ملحة من بعض الأوساط لحثّ الكورد على الانخراط الفوري في الاحتجاجات ضد نظام ولاية الفقيه، باعتبار أن سقوط هذا النظام قد يفتح آفاقاً جديدة لحقوقهم. ومع احترامي لكل من يرى في المشاركة المباشرة وسيلة للتحرر، فإنني أتمسك برأيٍ مغاير: الكورد لا يجب أن يُضحّوا بمصالحهم القومية العليا من أجل تغيير نظام لا يضمن لهم أكثر مما يمنحه النظام الحالي.
لقد وصلتني رسائل كثيرة بعد نشر مقالتي التحذيرية، بين مؤيدٍ يرى في الحذر حكمة، ومنتقدٍ يتهمنا بـ”التفكير اليهودي”، وكأن التفكير الاستراتيجي والحسابات الواقعية جريمة! لكن ماذا لو كان “التفكير اليهودي” هنا مجرد تعبير عن الذكاء السياسي والقدرة على قراءة التاريخ؟ لأن التاريخ، بكل مراراته، يعلّمنا درساً واحداً لا يُخطئ: كل الأنظمة التي تحكم أجزاء كوردستان — بغض النظر عن طبيعتها الدينية أو السياسية — لم تعترف يوماً بحقوق الكورد، بل اعتبرتهم عبئاً وجودياً يجب تحييده أو تذليله.
كل الأنظمة… عدوة
لننظر إلى الواقع:
- في تركيا، التي يُسمّيها الغرب “ديمقراطية”، لم يُعترف بالكورد كقومية حتى اليوم. الحكومات المتعاقبة، من كمال أتاتورك إلى أردوغان، تعاملت مع الهوية الكوردية كـ”إرهاب”.
- في إيران، سواء تحت حكم الشاه أو ولاية الفقيه، لم يُمنح الكورد سوى الرصاص والمشانق.
- في سوريا، لم يختلف الجولاني عن الأسد في العداء للكورد، بل ربما فاقه وحشية. فبينما كان الأسد يحتفظ ببعض الحسابات الدولية، فإن الجولاني لا يتردد في ذبح الكورد ورميهم من أسطح المنازل.
- وفي العراق، حتى بعد سقوط صدام، لم تُعترف الحكومات المتعاقبة بأي حق جديد للكورد. بل إنها، بدعم إيراني تركي، هاجمت كركوك وسنجار ومخمور، وسحبت نصف الأراضي التي كانت تحت الإدارة الكوردية.
إذن، العدو ليس فقط “النظام الإيراني”، بل كل الأنظمة التي تتقاسم كوردستان. والفرق بينها لا يكمن في الجوهر، بل في درجة القسوة أو شكل القمع.
الدرس العراقي: القوة لا تمنح حقوقاً، بل تنتزعها
من التجربة العراقية، تعلّمنا أن الأنظمة الضعيفة هي التي تمنح الكورد بعض الحقوق، لا لأنها مقتنعة بها، بل لأنها مضطرة. عبد الكريم قاسم اعترف باللامركزية لأنه كان ضعيفاً. صدام وافق على الحكم الذاتي في السبعينيات لأنه كان في بداية حكمه. وبعد أن استقرّ، عاد ليحرق القرى ويستخدم الغاز الكيميائي. الحكومة العراقية بعد 2003 وافقت على الفدرالية لأنها كانت منهكة بداعش. وما أن استعادت قوتها، حتى هاجمت كركوك.
نفس النمط يتكرر في سوريا: الجولاني وقّع اتفاقاً مع الكورد عندما كان ضعيفاً، ثم انقضّ عليهم بمجرد أن استعاد أنفاسه. الأسد نفسه، في أوج ضعفه، سلّم مناطق كوردية كاملة لقوات الحماية الشعبية دون قتال.
الاستراتيجية الكوردية: لا تقاتل من أجل سقوط النظام، بل من أجل تثبيت حقوقك فيه
لذا، فإن الدعوة إلى عدم مشاركة الكورد في الاضطرابات الإيرانية الحالية ليست موقفاً سلبياً، بل خطة سياسية. فالمطلوب ليس الإطاحة بالنظام الإيراني بأي ثمن، بل الاستفادة من لحظة ضعفه لفرض اعتراف دستوري بحقوق الكورد — كالحكم الذاتي، اللامركزية، أو الفدرالية — قبل أن يسقط تماماً.
لأنه، كما رأينا في العراق، ما لم يُثبَّت في الدستور أو الاتفاقات الرسمية، لن يُعترف به لاحقاً. أمريكا لم تعترف بأي شبر إضافي للكورد بعد 2003، رغم دعمها لهم. لماذا؟ لأنها لا تتعامل مع “الحقوق”، بل مع “الاتفاقيات الموقعة”.
في سوريا، كان خطأ الكورد الأكبر هو الاعتماد على الحماية الأمريكية دون تثبيت اتفاق قانوني مع النظام السوري يعترف بهم كقومية ويبقي حدودهم ثابتة. لو تم ذلك، لكان المجتمع الدولي مضطراً للاعتراف به، حتى لو تغير النظام.
الخلاصة: الكورد ليسوا جنوداً في حروب الآخرين
الكورد ليسوا مطالبين بإسقاط الأنظمة في طهران أو بغداد أو دمشق أو أنقرة. مهمتهم الأولى والأخيرة هي حماية وجودهم القومي وتوسيع حقوقهم. وكل مشاركة في صراعات الآخرين يجب أن تكون مشروطة بضمانات ملموسة، لا بوهم التغيير.
النظام الإيراني سيضعف. وعندما يطلب من الكورد “الحياد” أو “التعاون”، فهذه فرصتنا. لا ننقذه، ولا نطيح به. بل نستثمر ضعفه لنسج مستقبلنا داخل الدولة الإيرانية، لا خارجها. لأن التاريخ يؤكد: الدول لا تسقط لصالح الشعوب المقهورة، بل تُعاد تشكيلها لصالح من يملك القدرة على التفاوض في لحظة الفراغ.
فلنكن حكماء. ولنكن استراتيجيين، لا عاطفيين. فبقاء الكورد وحقوقهم أهم من أي نظام… وأي ثورة.


;كل شيء قد فات ولا شيء ينفع , قبل أن نخوض أسأل من هي الدول التي تقاسمت كوردستان؟ وهل سايكس بيكو قسّم كوردستان؟ أم قسم الممتلكات العثمانية حين لم تكن هذه الدول في الوجود, أنظر إلى الإتفاقية هل فيها إسم كوردستان ؟ العرب ناضلوا من أجل الدولة فحصلو عليها أما الكورد فقد ناضلوا من أجل الخليفة فليذهبو إلى الخليفة , المسألة في محيطنا هي العنصرية الأكراد لم يستخدموها وهذا هو محصولهم , الشاه أراد ضم كوردستان وباء الدولة العتية التي كانت للكورد والكوررفضوه, والآن هم ليسو أفضل من البارحة لو أن الملالي إستخدمو شيئاً من العنصرية القومية لكان للكورد معهم أمل أما الآن فلضعفهم أم أفضل من غيرهم لكنهم في الحقيقة أسوأ من الشرع نفسه كان مع الشاه فرصة ومع بشار فرصة لكن الكورد لا يفعلون شيئاً مفيداً
انت تعترف بأن الكورد لم يمنحوا سوى الرصاص والمشانق سواء في عهد الشاه السابق او في عهد ولاية الفقية الحالي. وانت تعرف جيدا بأن الحقوق لا تعطى بل تؤخذ بالتضحيات، فكيف تطلب منهم الآن وفي هذا الظرف التاريخي الحاسم الجلوس في بيوتهم ويتفرجوا بينما يشارك جميع الشعوب داخل ايران من البلوش وعرب الاحواز والازريين والتركمان، وحتى الفرس أنفسهم في أصفهان وشيراز ومشهد وطهران في هذه الملحمة التاريخية للتخلص من أسوأ نظام رجعي متخلف قمعي شهدته ايران؟؟ هناك احتمال كبير بأن النظام ايل للسقوط، كيف اذن تتوقع ان يساهم الكورد في صنع القرار السياسي في طهران بعد سقوط نظام الملالي جنبا إلى جنب الشعوب الايرانية التي خرجت وقاتلت وقدمت التضحيات والتي ستطالب بحقوقها القومية؟؟ الذي لا يشارك في إعداد الوليمة لا يحق له حضور الحفلة. لكن لحسن الحظ ان الاحزاب الكوردية المعارضة في شرق كوردستان تساهم الان بشجاعة وفعالية لاسقاط النظام الطاغوتي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. ان مقالتك جاءت في غير اوانها، وان اهل مكة ادرى بشعابها.
رد مختصر:::
الاخ قاسم كركوكي المحترم:: أعلم مدى أخلاصكم للقضية الكوردية و لهذا أرد على تعليقكم ببعض الكلمات: أولا أطلب من حضرتكم أن تيعدوا قراءة هذه المقالة و التي سبقتها حول الاحداث في أيران و أردوا أن تتمعن في قراءة السطور و ما بين السطور… أخي العزيز أنا لا أطلب أبدا من الكورد في أيران بالجلوس بل بالاستعداد لما بعد السقوط فهذا النظام سيسقط لا محالة و القوى الخارجية و الفارسية و غيرها سيقومون بأسقاط النظام سوى شارك الكورد في ذلك القتال أو لا… و النظام القادم سوف لم و لن يعترف بحقوق الكورد كما الشاة و نظام ولاية الفقية و معركة الكورد تبدأ بعد سقوط النظام و ليس قبله.. لذا من المهم أن يستعد الكورد و الاحزاب الكوردية بالاستعداد التام و تنظيم الصفوف داخل كوردستان و غيرها لحين اللحظمة الحاسمة.. فالنظام عندما تتأزم حالته سيقوم بسحب قواته أو أن قواته ستنهزم من المنطقة الى بيوتهم و عندها يبدأ الكورد بالسيطرة و تحرير الاراضي الكوردستانية بشكل منظم و ليس من خلال بث الفوضى في كوردستان. يكفي الفوضى و القتل الذي يتعرض له الكورد الان و بعد السقوط. كيف تحرر أقليم كوردستان؟؟؟ حارب الكورد لعشرات السنين و لم يستطيع تحرير مدينة واحدة في أقليم كوردستان و لكن و في الوقت الذي كانت الاحزاب الكوردية في أوربا عندا سقط صدام و في 10 أيام تم تحرير الاراضي الكوردستانية في العراق… نعم ندعوا لهكذا شكل و ليس تعريض الشعب الكوردي الى فتك النظام الايراني و هو قوي… لينتظر الكورد لحين اللحظمة الحاسمة و عندها يستيطعون تحرير كوردستان أيران بأقل الخسائر. اتمنى أن تفهم غرضي من المقالة…
أخوكم
هشام عقراوي
الاخ الكريم هشام عقراوي المحترم
بالطبع احترم وجهة نظرك، لكن هل تعتقد أن النظام الجديد الذي حتما سيكون مدعوما من قبل الغرب سوف يرضخ لانسلاخ مساحات كبيرة من جغرافية إيران ويتقبل الأمر الوأقع الذي ستفرضه الاحزاب الكوردية عليه بحسب السيناريو الذي وضعته؟ حتما لن يتقبل ذلك وعند ذاك يصبح الكورد لوحدهم في مواجهة النظام الجديد كما حدث لجمهورية مهاباد عام 1946. اما عن عشرة أيام التي تحدثت عنها بما يخص سقوط نظام صدام عام 2003 اقول ان الكورد انذاك كانوا مسبقا يسيطرون على المدن الكوردية الرئيسية الثلاثة واقاموا عليها فيدرالية تحت الحماية الدولية منذ 1991.
لك تحياتي
الاخ العزيز قاسم .. لم أقصد سنة 2003 بل سنة 1991 بعد حرب الكويت.. حيث عندها لم يكن أي حزب كوردي في الاقليم سوى بعض التنظيمات الأحزاب الثورية الصغيرة… بصدد الغرب فمع الاسف لا يهمهم حقوق الشعوب و كما تفضلت سيحاربون الكورد وسوف لن يقبلوا بتقسيم أيران و هذا الشئ سيحصل سواء شارك الكورد في الاضطرابات الحالية أو لم يشاركوا و سوريا الحالية أحدث مثال فمع أن الكورد يسيطرون على ثلت سوريا و يديرونها وساعدوا أمريكا نراهم عرضة لمؤامرة قد تنتهي بعوقب وخيمة… فالمحصلة أذا شارك الكورد أو لم يشاركوا هي نفسها بقارق أن الكورد سوف لن يضحوا بأرواحهم من أجل حكومة ستأتي لمحاربتهم. لك أحترامي
أخوكم
هشام
اخي هشام عقراوي المحترم
صحيح هذا ما حصل فعلا في الانتفاضة العارمة التي قامت في عموم العراق عام 1991 بعد انسحاب الجيش العراقي مهزوما من الكويت. اشكرك على هذا التوضيح، وجهة نظرك معقول ومنطقي ومحل الاحترام. لكن تجربة الشعوب اليوغسلافية في نضالها ضد الحكومة المركزية في بلغراد بقيادة الصرب، ونجاحها في نيل حريتها واستقلالها التام عن الهيمنة الصربية، تعطينا بارقة امل بأن ما حدث في يوغسلافيا يمكن ان يحدث أيضا في إيران وخصوصا ان مثل هذا السيناريو يخدم دول المنطقة جميعها بلا استثناء، كما يخدم مصالح الغرب اذ لا احد يتمنى ان تتكرر تجربة نظام حكم ايديولوجي متشدد وطموح يهدد أمن و استقرار دول المنطقة في المستقبل. مع الود والاحترام