– بوتان زيباري- حين يتكلم القيد بلسان الحرية

 

 
أنا أنظر إلى تاريخ شعبي فأراه مرآة مكسورة تعكس وجوهاً كثيرة ووجعاً واحداً، وأدرك أن أخطر ما يهددنا ليس سلاح الخصم بل قدرته على الجلوس داخل عقولنا كضيف ثقيل لا يريد المغادرة. حين تتحول الفكرة إلى قيد يصبح الإنسان حارس سجنه، يفتح الباب صباحاً ثم يشكر السجان مساءً ظناً منه أنه يحرس الحرية. أحياناً أقول مازحاً إن القيد لو نطق لطلب منا فنجان قهوة مكافأة على خدماته، فبعض القيود صارت مدللة أكثر من أصحابها. في هذا المناخ يتشكل وعي مرتبك يخلط بين النجاة والخضوع، بين الحكمة والخوف، حتى يغدو السؤال تهمة والتفكير مغامرة.
 
أرى كيف يستطيع العدو أن يحول الرمز الأسير إلى بوصلة لجماهير تائهة، فيصير الصوت الخارج من وراء الجدران قانوناً غير مكتوب، وتصبح الإشارات البعيدة أوامر مقدسة. هنا لا يعمل السوط بل تعمل الحكاية، ولا تتحرك الدبابات بل تتحرك المعاني المزروعة بعناية. أضحك أحياناً بمرارة وأقول لو أن المعاني تُفتش على الحواجز لاكتُشف نصف الاحتلال، فالكلمات المهربة أخطر من السلاح. حين يقتنع الناس أن خلاصهم يأتي عبر القيد نفسه، تتبدل خارطة الروح، ويتحول النضال إلى طقس يكرر ذاته دون أن يقترب من الحرية خطوة.
 
المأساة أن السيطرة الحديثة لا تحتاج إلى صخب، يكفي أن يتربى الطفل على رواية واحدة للتاريخ، وأن يكبر الشاب وهو يشك في صوته الداخلي أكثر مما يشك في خطاب موجَّه إليه. عندها يصبح الرقيب مقيماً في الضمير، يحاسب الفكرة قبل ولادتها. أقول بنكتة سوداء إن بعض العقول تضع على بابها لافتة مرحباً بالرقابة، ممنوع إزعاج اليقين المصنَّع. بهذه الطريقة يُروَّض الحلم القومي، ويُختزل الوطن في شعار، وتُختزل الكرامة في صبر طويل يُمدَّح كثيراً ويُكافأ قليلاً.
 
مع ذلك أؤمن أن في داخل كل إنسان شرارة لا تقبل التدجين، شرارة تسأل ولو همساً وتشك ولو سراً. التحرر عندي يبدأ حين أراجع ما قيل لي إنه بديهي، وحين أسمح لقلبي أن يختلف دون خوف. أمزح مع أصدقائي فأقول إن الحرية مثل ضيف كوردستاني كريم، لا تدخل بيتاً مزدحماً بالأصنام. حين نكسر الأصنام الذهنية، ونفصل بين احترام الرمز وعبادته، نستعيد توازننا. عندها فقط يفهم شعبي أن الطريق طويل نعم، لكنه طريقنا نحن، لا طريقاً مرسوماً في غرف الخصوم، ولا حلماً مكتوباً بحبر غيرنا.
 
لهذا أكتب وأتحدث لأن الكلمة الحرة نافذة، ولأن الصمت الطويل حائط إضافي في السجن. أريد لعقلي وعقول أبناء قومي أن تتنفس هواء السؤال، وأن تدرك أن الوفاء للشعب يختلف عن الوفاء للصورة. أقول ضاحكاً إن الصورة لا تطعم خبزاً ولا تحمي بيتاً، لكنها تحب التصفيق فقط. حين نعيد البوصلة إلى الإنسان الحي لا إلى الظل، نبدأ رحلة شفاء بطيئة لكنها صادقة، رحلة تعيد للحرية معناها البسيط، أن نفكر بأنفسنا، وأن نختار مصيرنا بوعي لا بإيحاء.
 
بوتان زيباري
السويد
18.02.2026