عندما نتحدث عن مسؤولية المثقف الكوردي الفيلي فنحن لا نخوض في ذلك عن ترف فكري أو تنظير نخبوي معزول عن الواقع بل نقف أمام واجب والتزام تاريخي وأخلاقي ووطني فرضته معاناة طويلة لقضية تعرضت للتهميش والإنكار والاضطهاد المنهجي لعقود على يد نظام بعثي بائد حكم العراق بالحديد والنار حيث لم يتردد في اضطهاد وقتل وإبادة كل من اختلف معه قومياً أو مذهبياً، ان دور المثقف الفيلي في هذا التوقيت بالذات ليس مراقباً محايداً يقف على الهامش فهو ابن القضية وصاحب المسؤولية ومطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يعرف هموم أهله ويفهم واقعهم ويمتلك رؤية واضحة وسعة أفق تمكنه من تحليل المشكلات وإيصالها إلى المسؤولين والرأي العام بلغة عقلانية موثقة وقابلة للفهم عالمياً أما من يرى الظلم الواقع على مجتمعه ثم يعلق ببرود: «هذا لا يعنيني» فمهما حمل من شهادات وألقاب لا يمكن اعتباره مثقفاً فالثقافة موقف قبل أن تكون معرفة ولا خير في مثقف لا يحمل في داخله خيراً لأهله الذين دفعوا ثمناً لانتمائهم القومي والمذهبي ومواقفهم الوطنية.
الكورد الفيليون هم جزء أصيل من الشعب الكوردي ويقطنون منذ قرون في شرق العراق خصوصاً في بغداد وخانقين ومندلي وبدرة وجصان والكوت ويمتد وجودهم التاريخي إلى مناطق من غرب إيران ولغتهم الكوردية بلهجتها الفيلية وانتماؤهم المذهبي في الغالب إلى الإسلام الشيعي وهو ما جعلهم عبر التاريخ ضحية مزدوجة اضطهاد قومي واضطهاد مذهبي في آن واحد وهذه الخصوصية لم تكن يوماً نقطة ضعف بل تحولت في ظل الأنظمة القمعية إلى ذريعة للإقصاء والاستهداف وقد بلغت المأساة ذروتها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين جرد عشرات الآلاف من الكورد الفيليين من جنسيتهم العراقية وهجروا قسراً إلى إيران بحجة «التبعية» رغم أنهم عراقيون أصلاء ساهموا في بناء الدولة منذ تأسيسها فقد صودرت ممتلكاتهم وفصلوا من وظائفهم وزُج بآلاف الشباب في السجون والمعتقلات ولا يزال مصير أكثر من عشرين ألف شاب فيلي مغيباً ومجهولاً حتى اليوم وهذه الجرائم لم تكن حوادث عابرة بل سياسة ممنهجة صدر عنها لاحقاً قراراً من المحكمة الجنائية العراقية العليا في 29 تشرين الثاني 2010 الذي اعتبر ما تعرض له الكورد الفيليون من تهجير قسري وقتل وتغييب في عام 1980 جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان وفقاً للمعايير القانونية والإنسانية المعتمدة دولياً.
ومن هنا تتجلى مسؤولية المثقف الفيلي المعاصر بوضوح الانحياز للحقيقة والقدرة على التعبير عن قضيته بموضوعية وشجاعة وعليه أن يكون قريباً من مجتمعه ويسمع آلامه ويفهم مخاوفه وينقل صوته إلى الفضاء العام محلياً ودولياً فالموضوعية هنا ليست حياداً بارداً بل التزاماً أخلاقياً بعرض القضية كما هي قضية حقوق وإنصاف وعدالة تاريخية لا أداة للمزايدات أو الاستثمار السياسي الضيق فالعالم لا يتعاطف مع الصراخ بل مع الوقائع الموثقة والسرد العقلاني المدعوم بالتاريخ والشهادات ولم يعد المفهوم التقليدي للعلم محصوراً في الكتب كافياً فالمعرفة الحقيقية اليوم تستمد من (الواقع – الناس – الشارع- القصص اليومية) التي تختصر معاناة جماعية فعندما يمنحك الناس تجاربهم فهم لا يقدمون آراء فردية فقط بل يعبرون عن وعي جمعي يجب على المثقف التقاطه وتحليله وتحويله إلى خطاب مؤثر فالمثقف الفيلي اليوم مطالب بالنزول إلى الميدان بدراسة المجتمع ميدانياً وبتفكيك الخرافات وبتوثيق الذاكرة وبالعمل على تحويل الألم إلى معرفة ووعي في زمن الإعلام المفتوح فالمثقف الذي لا يشتبك مع واقعه هو مجرد متفرج والتاريخ لا يرحم المتفرجين.

