تُظهر التجربة العراقية بعد عام 2003 أن أزمة الدولة لم تكن نتاج فراغ مؤسسي أو سوء إدارة مرحلي، بل نتيجة مسار بنيوي طويل تداخلت فيه الطائفية السياسية مع الارتهان الخارجي وتفكك المؤسسات السيادية. وفي هذا السياق، تمثّل مرحلة رئاسة الوزراء في عهد نوري المالكي حالة دراسية بالغة الدلالة، ليس بوصفها تجربة حكم فاشلة فحسب، بل لأنها أسّست لنمط سلطة ما زال يعيد إنتاج نفسه داخل النظام السياسي العراقي حتى اليوم.
لا يهدف هذا المقال إلى محاكمة شخص بقدر ما يسعى إلى تحليل نموذج حكم، من خلال مقاربة سوسيولوجية–سياسية تركّز على مفاهيم الشرعية، واحتكار العنف، والطائفية السياسية، في سياق دولة خرجت من حرب واحتلال من دون أن تنجح في بناء عقد وطني جامع أو مؤسسات قادرة على فرض سيادتها.
من منظور نظريات الدولة، تُعدّ الدولة فاشلة عندما تعجز عن أداء وظائفها الأساسية، وعلى رأسها توفير الأمن، وضبط العنف، وبسط السيادة ، واتخاذ قرار سياسي مستقل. هذه السمات برزت بوضوح خلال سنوات حكم المالكي، حيث اتّسعت الفجوة بين الشكل الدستوري للدولة وقدرتها الفعلية، وتحولت المؤسسات إلى أدوات سلطة أكثر من كونها تعبيرًا عن الصالح العام.
يتجلّى هذا الخلل بوضوح في مسألة احتكار العنف المشروع، وهو المفهوم المركزي في تعريف الدولة الحديثة. ففي عهد المالكي، لم يجرِ ترسيخ هذا الاحتكار عبر بناء جيش وطني مهني، بل على العكس، شهدت المؤسسة العسكرية إضعافًا ممنهجًا من خلال تسييس الترقيات، وتهميش الكفاءات، وتفشي الفساد الإداري. وبالتوازي مع ذلك، جرى فتح المجال أمام قوى مسلحة غير نظامية، أُضفيت عليها شرعية سياسية وأمنية خارج إطار الدولة، ما أدّى عمليًا إلى تشظّي العنف وفقدان الدولة مركزيتها.
هذا المسار لا يمكن فصله عن الطائفية السياسية بوصفها نمط حكم لا مجرد انقسام اجتماعي. فالطائفية، في هذا السياق، تحوّلت إلى أداة لإعادة تعريف الانتماء الوطني، حيث لم تعد المواطنة هي أساس العلاقة بين الفرد والدولة، بل الانتماء المذهبي والولاء السياسي. وقد أسهم هذا المنطق في تآكل الشرعية الداخلية للدولة، وتعميق الإقصاء، وإنتاج بيئة اجتماعية قابلة للاختراق من قبل العنف المتطرّف.
في هذا الإطار، تكتسب علاقة المالكي بإيران بعدًا بنيويًا لا يمكن تجاهله. فهذه العلاقة لم تُدار بوصفها سياسة خارجية متوازنة بين دولتين، بل ضمن شبكة اصطفاف إقليمي استندت إلى تقاطع المصالح بين سلطة داخلية هشّة ونفوذ خارجي ساعٍ إلى ترسيخ حضوره عبر وكلاء محليين. وقد انعكس هذا الارتباط في تعطيل أي مشروع جدي لبناء مؤسسات سيادية مستقلة، لأن الدولة القوية تمثّل بطبيعتها عائقًا أمام النفوذ غير المباشر.
بلغ هذا الخلل ذروته في عام 2014 مع انهيار المنظومة الأمنية وسقوط الموصل. لم يكن هذا الحدث مفاجئًا، بل نتيجة تراكمية لسنوات من الإدارة الأمنية الفاشلة، حيث انهارت وحدات عسكرية كاملة دون مقاومة تُذكر، كاشفةً هشاشة الجيش وغياب القيادة والعقيدة المهنية. وبوصفه القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، يتحمّل المالكي مسؤولية سياسية مباشرة عن هذا الانهيار، سواء من حيث السياسات التي سبقته أو من حيث غياب المساءلة التي تلته.
غير أن المأساة الأكثر دلالة على طبيعة هذا الفشل تمثّلت في مجزرة سبايكر. فغالبية الضحايا لم يكونوا جنودًا محترفين أو مقاتلين مدرّبين، بل طلابًا مجنّدين حديثًا، بلا خبرة قتالية أو إعداد عسكري كافٍ، أُرسلوا إلى معسكرات تفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم والحماية. تُرك هؤلاء الشباب بلا أوامر واضحة أو خطط إخلاء في لحظة انهيار أمني شامل، ما جعلهم فريسة سهلة لتنظيم دموي استغل فراغ الدولة وانعدام القيادة.
الأخطر من الجريمة نفسها كان التعاطي الرسمي معها، إذ لم تُفتح بوصفها ملفًا وطنيًا للمساءلة والمحاسبة، بل جرى تسييسها واستثمارها رمزيًا، من دون تفكيك الأسباب البنيوية التي أدّت إليها. هذا التعامل عكس أزمة أعمق في مفهوم الشرعية، حيث بدت الدولة عاجزة عن حماية جنودها، ثم غير قادرة على محاسبة من تركهم لمصيرهم، ما أفقدها أحد أهم مصادر شرعيتها الأخلاقية والسياسية.
في هذا السياق، يصبح الرفض الأميركي لعودة المالكي إلى الواجهة السياسية مفهومًا من زاوية براغماتية. فهذا الرفض لا يستند إلى موقف أخلاقي أو ديمقراطي، بل إلى قراءة استراتيجية ترى في المالكي رمزًا لمرحلة انهارت فيها الدولة العراقية وتحوّل فيها الجيش إلى كيان هش، ما جعل العراق ساحة مفتوحة للفوضى وتعدد النفوذ. ومن منظور المصالح الأميركية، فإن إعادة إنتاج هذا النموذج تعني شريكًا غير قابل للاعتماد عليه في إدارة الاستقرار الإقليمي.
تُظهر تجربة المالكي، في المحصلة، كيف يمكن للطائفية السياسية، حين تقترن بتفكيك احتكار العنف والارتهان الخارجي، أن تدفع دولة خارجة من صراع إلى مسار فشل بنيوي طويل الأمد. ومن دون قراءة نقدية صارمة لهذه التجربة، لا بوصفها ماضيًا منتهيًا بل نموذجًا مستمرًا، ستبقى أي محاولة لإصلاح الدولة العراقية محكومة بإعادة إنتاج الأزمات ذاتها، بأسماء ووجوه مختلفة.

