في تحليل اقتصادي وسياسي عميق، أكد المعلق الاقتصادي العالمي الشهير مارتن وولف أن أوروبا باتت مقتنعة بأن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لم تعد ممكنة، مشيرًا إلى أن البلاد انحرفت بشكل واضح عن المسار الديمقراطي الليبرالي. ووصف وولف هذا الواقع بأنه “واقعية مقبولة” أصبحت جزءًا من التصور الأوروبي تجاه تركيا.
التفاعل الأوروبي مع التطورات التركية
خلال مقابلة مع النائب اللندني بيرفو غوفن في برنامج “التوقعات العالمية” على قناة CNBC-e ، أوضح وولف أن عدم تفاعل أوروبا مع التطورات الأخيرة في تركيا لا يعود فقط إلى انشغالها بأزمات كبرى مثل الحرب الأوكرانية وصعود دونالد ترامب ، بل أيضًا لأن أوروبا فقدت الأمل في إمكانية إعادة تركيا إلى مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي. وأشار وولف، الذي يتابع الاقتصاد التركي منذ 40 عامًا، إلى أن التحولات السياسية والاقتصادية الأخيرة في تركيا ليست مفاجئة ولا تحمل أي بوادر إيجابية.
تراجع الديمقراطية وتأثيرها على الثقة الدولية
شدد وولف على أن الهيكل السياسي الحالي في تركيا يختلف تمامًا عن الفترات السابقة، حيث شهدت البلاد تحولات كبيرة في النظام السياسي. وأوضح أن الحكومة الحالية استفادت في السابق من الإصلاحات الاقتصادية التي قادها وزير المالية السابق كمال درويش ، والتي كان لها تأثير إيجابي واضح خلال زياراته المتكررة لتركيا. ومع ذلك، أشار إلى أن هذا الإرث تآكل تدريجيًا رغم الجهود التي بذلها سياسيون مثل علي باباجان ومحمد شيمشك .
على الرغم من التقدم الذي حققه وزير المالية الحالي محمد شيمشك في الإدارة الاقتصادية، إلا أن وولف أكد أن السيطرة السياسية المطلقة لرئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان أدت إلى تآكل الثقة والاستقرار على المستوى العالمي. واعتبر أن غياب الديمقراطية هو العامل الرئيسي الذي يخلق حالة من عدم اليقين ويعرقل تحقيق إمكانات تركيا الكبيرة.
إمكانات تركيا وتحدياتها
أشار وولف إلى أن تركيا تتمتع بمزايا استراتيجية هائلة، بما في ذلك موقعها الجغرافي المتميز، وشعبها المجتهد، وسوقها المحلية الكبيرة. ومع ذلك، فإن التناقضات في السياسة النقدية والتضخم المستمر تعيق استغلال هذه الإمكانات. وأوضح أن التطورات الإيجابية التي شهدتها الإدارة الاقتصادية مؤخرًا، خاصة مع تعيين محمد شيمشك ، قد تكون خطوة مهمة، لكنها غير كافية في ظل غياب الإصلاحات الديمقراطية.
مستقبل تركيا بين الإمكانات والتحديات
شدد وولف على أن تحقيق إمكانات تركيا يعتمد بشكل كبير على السياسات التي سيتم تنفيذها في المستقبل. وأكد أن استعادة الثقة الدولية تتطلب ليس فقط إصلاحات اقتصادية، بل أيضًا تعزيز الديمقراطية وسيادة القانون. وأشار إلى أن غياب هذه العوامل سيستمر في خلق حالة من عدم اليقين، مما يعيق الاستثمار الأجنبي والنمو الاقتصادي.
خاتمة
في نهاية المقابلة، أكد وولف أن تركيا تقف عند مفترق طرق حاسم. وعلى الرغم من إمكاناتها الكبيرة، فإن التحديات السياسية والاقتصادية تجعل مستقبلها غير مؤكد. ودعا إلى ضرورة اتخاذ خطوات جادة نحو تعزيز الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية لتحقيق الاستقرار والازدهار على المدى الطويل.

