أمريكا وصناعة الانقلابات عبر التاريخ – من جواتيمالا إلى فنزويلا”

مقدمة: عندما تصبح السفارة بوابة القصر الرئاسي

في عالم السياسة، لا شيء يبدو أكثر ثباتًا من كرسي الحكم. لكن عبر العقود، أثبتت الولايات المتحدة أن لا رئيس آمن، ولا نظام حصين، إذا ما صادفت مصالحه مصالح واشنطن.
من الغابات الاستوائية في أمريكا اللاتينية إلى سهول الشرق الأوسط، كررت أمريكا نمطًا واحدًا: إسقاط الحكام الذين لا يناسبونها، واستبدالهم بمن يخدمون أجندتها، سواء عبر انقلاب عسكري، أو حرب اقتصادية، أو عملية اختطاف مدبرة.

اليوم، مع تصاعد التصريحات حول “اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو”، تعود الذاكرة الجماعية إلى تساؤل مرير:

نحن أمام حلقة جديدة من مسلسل قديم؟

الفصل الأول: أمريكا والانقلابات – دليل تاريخي موثق

1. جواتيمالا 1954: أول ضحية للـ CIA

  • الرئيس المخلوع: خايمي أستريداس.
  • التهمة: تنفيذ إصلاح زراعي استهدف شركة “يونايتد فروت” الأمريكية.
  • الطريقة: قامت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بتنظيم انقلاب عسكري باسم “عملية طوبة”.
  • النتيجة: تم إسقاط حكومة ديمقراطية منتخبة، وإقامة ديكتاتورية عسكرية دامية.

هذه العملية كانت نموذجًا أوليًا لما سيُعرف لاحقًا بسياسة “تغيير النظام” (Regime Change).

2. إيران 1953: الملك بدلاً من الديمقراطية
  • الرئيس المخلوع: محمد مصدق.
  • التهمة: تأميم النفط الإيراني.
  • الطريقة: بالتعاون مع المخابرات البريطانية (MI6)، نفذت CIA انقلابًا تحت اسم “عملية أجاكس”.
  • النتيجة: عودة الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم، وإنهاء أول تجربة ديمقراطية حقيقية في إيران.

منذ ذلك اليوم، أصبحت كلمة “Coup” مرادفة للتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط.

3. شيلي 1973: الدم بدلاً من الصناديق
  • الرئيس المخلوع: سلفادور أليندي.
  • التهمة: بناء اشتراكية ديمقراطية في قلب أمريكا الجنوبية.
  • الطريقة: دعمت واشنطن الجنرال أوغستو بينوشيه لتنفيذ انقلاب عسكري دموي.
  • النتيجة: مقتل أليندي داخل القصر الرئاسي، وحكم ديكتاتوري دام 17 عامًا.

وثائق أمريكية لاحقة أكدت أن كيسنجر أعطى الأوامر مباشرة:
“لا نسمح بأن تُصبح شيلي دولة شيوعية بسبب صناديق اقتراع غبية”.

4. العراق 2003: الاحتلال باسم التحرير
  • الرئيس المخلوع: صدام حسين.
  • التهمة الزائفة: امتلاك أسلحة دمار شامل.
  • الطريقة: غزو عسكري مباشر بقيادة الولايات المتحدة.
  • النتيجة: إعدام صدام، ودمار شامل للدولة، وفوضى مستمرة حتى اليوم.

هنا لم يكن هناك انقلاب، بل احتلال كامل، وفرض نظام سياسي جديد من الخارج.

5. ليبيا 2011: من “الحماية” إلى الفوضى
  • الرئيس المخلوع: معمر القذافي.
  • التهمة: قمع المحتجين (بما يبرر التدخل الإنساني).
  • الطريقة: تدخل عسكري دولي تقوده أمريكا وفرنسا، تحت شعار “حماية المدنيين”.
  • النتيجة: مقتل القذافي بطريقة وحشية، وتحول ليبيا إلى دولة فاشلة.

كما قال دومينيك ريتشاردسون، مسؤول سابق في الأمم المتحدة:
“لقد حررنا الليبيين من القذافي… وأعطيناهم الفوضى مكانه”.

6. هايتي: التكرار الأبدي
  • عبر ستة عقود، أزاحت أمريكا أو دعمت إسقاط أربعة رؤساء على الأقل في هايتي:
    • 1958، 1986، 1991، 2004.
  • كل مرة بتهم مختلفة: من “الفساد” إلى “الارتباط بكوبا”.
  • الطريقة دائمًا واحدة: دعم المعارضة، فرض عقوبات، ثم تدخل عسكري أو دبلوماسي قسري.

هايتي هي الدولة التي أسقطت فيها أمريكا رؤساءها وكأنها تغيّر الوزراء.

الفصل الثاني: النمط يتكرر – في فنزويلا ؟

اليوم، تدور رياح مشابهة حول فنزويلا ونيكولاس مادورو:

  • الاتهامات الموجهة له: المخدرات، الإرهاب، القمع.
  • العقوبات المفروضة: اقتصادية، مالية، شخصية.
  • الدعم للمعارضة: تدريب، تمويل، اعتراف بحكومة ظل (غوايدو).
  • التصريحات الأخيرة: “اعتقال مادورو” و”نقله الى نيويورك دون خجل.

المعطيات واضحة:

  • فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم.
  • ترفض الهيمنة الأمريكية.
  • تتحالف مع روسيا والصين وإيران.
  • تستخدم عملتها الخاصة، وتتحدى الدولار.

أي أن مادورو يفعل كل ما لا يحبه البيت الأبيض.

هل يمكن لأمريكا أن تختطف رئيس دولة؟

بالنظر إلى التاريخ:

  • نعم، يمكنها.
  • نعم، فعلتها.
  • لكن دائمًا عبر وسيط محلي (جيش، معارض، انقلابي).

أما اختطاف رئيس من قصره، ليلاً، بواسطة قوات خاصة، ونقله إلى أمريكا للمحاكمة؟
هذه سابقة خطيرة. و انتهاكً صارخً للقانون الدولي. ولربما بداية حرب عالمية جديدة لا حارة و لا باردة بل متوسطة الحماوة.

الفصل الثالث: التاريخ يُعيد نفسه أمريكيا و هذه هي حقيقة أمريكا

التصريحات حول “اعتقال مادورو”  تعكس نية استراتيجية حقيقية:

  • أمريكا لم تتخلى يومًا عن فكرة “تغيير النظام” في فنزويلا.
  • ترامب نفسه أعلن مرارًا: “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”.
  • المحكمة الأمريكية وجهت اتهامات لمادورو منذ سنوات.

إذًا: ليس السؤال “هل يمكن أن يحدث؟”، بل “متى سيحدث؟”

 الكرسي لا يحمي… إلا من لا يريدونه

عبر التاريخ، أظهرت الولايات المتحدة أنها لا تحترم:

  • الانتخابات.
  • السيادة.
  • القانون الدولي.

طالما كان الهدف هو النفط، أو الخوف من النموذج البديل، أو كسر التحالفات الاستراتيجية.

واليوم، بينما تتحدث واشنطن عن “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية”، فإن سجلها يقول شيئًا آخر:

نحن نصنع الديمقراطية… بالرصاص، والانقلابات، والاختطافات.

فنزويلا ليست استثناءً.
بل هي مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الرؤساء الذين سُرق كرسيهم باسم الحرية.

والأكثر إيلامًا؟
أن بعض الشعوب، بعد أن تُسقط حكوماتها، تكتشف أن الحرية التي وعدوها بها… كانت فقط حرية الدَين، والفقر، والفوضى.

وبحسب قول الكاتب التشيلي لويس سيكورا:

“لا تثق بالقوة التي تأتي من البحر… فهي لا تحمل الحرية، بل تحمل من يبيعها.”