الإعتقاد السائد عند الناس بأن الحصار الأقتصادي الذي يتم فرضه على بعض الدول لا يؤثر على مسؤولي الأنظمة الحاكمة بل تأثيره يصل فقط على الشعوب ، هذا الكلام جداً صحيح لأن الأنظمة الحاكمة وعوائلها تحصن نفسها وتبقى تعيش في وضع اقتصادي مريح تاركة الشعب يعاني لوحده ويتحمل أعباء الحصار لوحده ، هذا التأثير السيء للحصار الأقتصادي الذي يتم فرضه على الدول بالرغم من أضراره البالغة على الشعوب الا إنه يخلق فجوة وشرخ كبير بين الشعب والنظام الحاكم لأن الشعب يدرك بأن النظام الحاكم هو سبب الحصار فيتسائل لماذا نحن من يدفع الثمن ويصيبنا الألم والجوع بينما مسؤولي النظام وعوائلهم في مأمن من ألم الحصار الذي هم جلبوه لنا ، فعندما يشن العدو الذي فرض الحصار ضرباته العسكرية والسياسية الموجعة للنظام القائم لغرض اسقاطه أو اضعافه سيقف الشعب مع العدو وليس مع حكومته أو يقف بهيئة المتفرج ولا يكون ظهيراً للنظام ولا لقواه الأمنية ليس حباً بالعدو بل شماتة بالنظام الذي آذاهم ، وهذا ما حدث مع جميع البلدان التي تعرضت للحصار الاقتصادي حين تخلت الشعوب عن أنظمتها في الساعات الحرجة ، كلنا شاهدنا كيف أحتفل الشعب العراقي بسقوط نظام صدام حسين وشاهدنا احتفالات الشعب الفنزويلي بإعتقال رئيسها مادورو من قبل القوات الأمريكية ، صحيح أن الشعب يتألم كثيراً لكنه لم ولن يمت بينما النظام سيكون بحكم المؤكد ميت وبعد موت النظام ستكون الفرصة سانحة لأبناء الشعب بالإنتقام من رموز النظام الذين كانوا في بحبوحة العيش أيام الحصار الذي لولا حماقة النظام لما فرض عليهم ، نتيجة طبيعية جداً ، مهما كان الشعب داعماً لنظامه السياسي قبل الحصار سيتخلى عنه عند الجوع . لا يوجد نظام وطني محب لشعبه يتقبل الحصار الاقتصادي على شعبه خاصة إذا كان هذا النظام يرفع شعار القوة والصمود والمبادىء والمقاومة ثم يجد نفسه أمام الحصار ضعيفاً منهكاً همه الوحيد إستمرارية قبضته على السلطة وهو يرى ثقل الحصار وأثره المؤلم على الشعب ، ومفردة الشعب تعني النساء والأطفال وكبار السن والمرضى والحوامل والفقراء وأصحاب الدخل المحدود فهم الغالبية ، هنا تسقط كل الشعارات وتسقط كل العنتريات التي تتبجح بها الأنظمة السياسية لأن الحصار مدمر وقاتل ، رغم مرارته الا أنه يجعل بصيرة الناس قوية واضحة ودقيقة فيستطيع الشعب خلال فترة الحصار والجوع والمرض من رؤية حقيقة نظامه السياسي ويرى كل عيوبه التي كانت تغطيها الشعارات وفي أكثر الأحيان يتحول النظام إلى عدو للشعب بشكل علني يقمع أصواته ويعزز قواه الأمنية ويلاحق كوادره المثقفة فيصبح صدى النظام للمواطن أما أن تكون مع النظام أو أنت عميل للأجنبي ، تصوروا هذا المواطن البسيط الذي لا يجد قوت يومه له ولاطفاله يسمونه عميل . النظام السياسي الحر لا يرفع الشعارات ولا يتحدى النظام الدولي ولا يورط شعبه بالحروب بل من يفعل ذلك هو فقط النظام السياسي الإرهابي الدموي الجاهلي الذي يستغل عواطف الناس وجهالتهم ليصل إلى سدة الحكم ثم يوقعهم بالكوارث . النظام السياسي الذي يضع نفسه تحت طائلة العقوبات والحصار الاقتصادي الدولي هو بالتأكيد نظام لا يحترم إرادة شعبه وحقيقته الباطنة هي الدموية والإرهاب لكن بما أن شعوب منطقتنا عاشت ثقافة الثورة والتحدي والحماسة الدينية والقومية فهي تتقبل بسهولة مثل هذه الأنظمة المغلفة بالشعارات وتقف بقوة إلى جانبها لكن بعد افتضاح أمر حكوماتها تبدأ الشعوب بالتراجع عن عاطفتها وتكون مستعدة للتخلي عن النظام وتركه يواجه مصيره بنفسه ، أما فكرة التخلص من الثقافة الثورية المعشعشة في عقول الناس والتي هي السبب في صعود الأنظمة الوحشية تبقى كما هي سارية المفعول في عقول الناس ، يعني السبب الجوهري لمعاناة المواطن تبقى قائمة لذلك تقع الشعوب مرة ثانية وثالثة وعاشرة بنفس الخطأ وتدفع نفس الثمن ، خذوا مثلاً الشعب العراقي تخلص من نظام دكتاتوري مجرم يحمل شعارات ثورية قومية أذاقهم المر العلقم بحصار أقتصادي أستمر لثلاثة عشر عاماً تفككت فيه لحمة النسيج الاجتماعي للعائلة العراقية لكن للأسف لم يتعظ الشعب من الجراح التي سببتها له العواطف الثورية فبقي في نفس الروح الثورية بعد السقوط ليعود مرة ثانية يرقص لصوت الرصاص وشعارات المقاومة والجهاد ونسي مرارة الحصار ، وعندما يندم ثانية لما سيصيبه بسبب الرقص مع الثوريين سيتخلى بسهولة كما فعلها أول مرة لكن بعد دفع ثمن رقصاتهم المجنونة ويندم ولن يتعظ فتبقى عقول الناس أرض خصبة لزراعة أي فكر ثوري حتى لو كان داعشي مستقبلاً ، هكذا يدفع الناس فاتورة أفكارهم ومعتقداتهم يدفعونها من ربيع عمر الأبناء وحلاوة الحياة ثمناً لهذه الترهات وهذا هو حال شعوب المنطقة بل ومعظم شعوب العالم الثالث ، فهي دائرة مغلقة لا تتحرر منها الشعوب إلا أن تتحرر العقول من المفاهيم المغلوطة . لو أن دول العالم الغربي حاولت إسقاط أي نظام سياسي أو إسقاط أي حاكم دون اللجوء إلى الحصار الاقتصادي سيجدون أنفسهم أمام مقاومة شرسة من نفس الشعوب التي تكره حكامها وهنا يكون لزاماً عليها إبادة الشعب بأكمله لتحقيق أهدافها ، بالتأكيد لا يمكن قبول ذلك مهما كانت دواعي إسقاط الحاكم مبررة فالشعوب أسيرة المفاهيم المعتقة في أذهانها يتم شحنها بعدد من الخطب الثورية للدفاع عن النظام . وختاماً معضلة حكومات الأنظمة التي تتحدى المجتمع الدولي وتجعل شعوبها ضحية هذا التحدي هي رغبتها في البقاء للأبد كعادة الإمبراطوريات القديمة دون النظر إلى المتغيرات التي تحدث في العالم .

