ترتبط فكرة الحرية ارتباطًا وثيقًا بتكوين الإنسان منذ طفولته المبكرة. فطالما لا يستجيب المحيط لمطالب الطفل في حرية الحركة والتعبير عن حبّ الاطلاع وممارسة الاستكشاف، فإنه يستمر في التعبير عن هذه الحرية بطرقه الخاصة، تبعًا لعمره ومستوى تطوره وقدرته على الفهم والإدراك والتواصل. ولا يتوقف الطفل عن الحركة أو الصراخ بوصفهما وسيلتين للتعبير عن الذات، إلا عندما يجد استجابةً مفهومة من شخصٍ يمنحه الاهتمام والوقت الكافيين للتعبير عن حاجاته والشعور بقيمته. عندئذٍ يتحقق لديه الإحساس بالاطمئنان الناتج عن تمتّعه بقدرٍ من الحرية ضمن حدودٍ توفر الحماية وتدعم النمو والتطور.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الطفل لا يبحث عن الحرية المطلقة بقدر ما يبحث عن حدودٍ واضحةٍ لها؛ إذ تساعده هذه الحدود على تقليل القلق الناتج عن جهله بالمحيط، وتمكّنه من الاستكشاف ضمن إطارٍ آمنٍ ومنظّم، الأمر الذي يعزز شعوره بالاستقرار النفسي.
لقد تبلور مفهوم الحرية عبر التاريخ من خلال إسهامات عدد من الفلاسفة والمفكرين الذين وضعوا أسسه الفكرية والسياسية والوجودية. فقد أكد جان جاك روسو (1712–1778) أن الإنسان يولد حرًا، ودعا في فلسفته التربوية إلى منح الطفل حرية التعلم من خلال التجربة. كما أسهمت أفكاره في التأثير على نظم التعليم الحديثة. وفي الفكر الليبرالي، شدّد جون ستيوارت ميل (1806–1873) على أهمية الحرية الفردية وحدود تدخل المجتمع في حياة الفرد. أما في الفلسفة الوجودية، فقد رأى جان بول سارتر (1905–1980) أن الحرية شرطٌ أساسي لوجود الإنسان ومسؤوليته. وفي الفكر السياسي الحديث، ميّز إشعيا برلين (1909–1997) بين الحرية الإيجابية والحرية السلبية بوصفهما بُعدين مكملين لفهم الحرية.
وعلى المستوى التربوي والنفسیإجتماعي، فإن الاستجابة السلبية أو العنيفة لمطالب الطفل بالحرية قد تسهم في تعلّمه أنماطًا سلوكية قائمة على العنف في مراحل لاحقة من حياته. ولا يزال استخدام أساليب تربوية قائمة على الخائات الثلاث (الخوف والخجل والخطیئة) حاضرًا في بعض المجتمعات، كما هو الحال فی المجتمع الكوردستانی، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكوين شخصية ضعيفة أو مترددة لدى الفرد. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الطفل لا يحتاج إلى التوجيه أو الضبط؛ إذ إن وضع حدودٍ لحرية الطفل يمثل الخطوة الأولى في تعليمه أن الحرية مسؤولية، وأنها ترتبط باحترام حقوق الآخرين وحرياتهم. فحرية الفرد تتحدد عندما تبدأ حرية الآخرين.
في هذا السياق يبرز مفهوم الديمقراطية بوصفه الإطار الذي ينظّم العلاقة بين الحرية الفردية والنظام الاجتماعي. فقد ظهر مفهوم الديمقراطية في المجتمع اليوناني القديم ليعني «حكم الشعب»، حيث يشارك المواطنون في صنع القرار بصورة مباشرة أو عبر ممثلين منتخبين. ويُنسب إلى المشرّع الأثيني سولون (638–558 ق.م) القيام بإصلاحات هدفت إلى تحقيق قدرٍ من التوازن الاجتماعي من خلال تخفيف معاناة الفئات الفقيرة دون إلغاء امتيازات الفئات الغنية، إضافة إلى تأكيد حق المواطنين في المشاركة السياسية.
إن الحرية في اختيار نظام الحكم تُعدّ من الحقوق الأساسية في المجتمع الديمقراطي، حيث توفّر الديمقراطية الإطار القانوني والمؤسسي الذي يضمن ممارسة الحرية بصورة مسؤولة ومتوازنة داخل المجتمع.
١٤\٢\٢٠٢٦

